الأسرة مفتاح إبداع المكفوفين
بقلم: د. أحمد سيد المصري، المتخصص في علم الاجتماع
الأسرة هي الوحدة الأولى في المجتمع، والبيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الفرد منذ طفولته حتى شبابه ونضجه. وهي أولى مؤسسات التنشئة الاجتماعية؛ تغرس القيم والأخلاق، وتمنح الثقة، وتربّي على الاعتماد على النفس، وتحفّز بذور الإبداع والنجاح، بل هي أول من يرى هذه البذور.
ومن هنا كان للأسرة الدور التأسيسي في نجاح كل مبدع. وفي حياة المكفوفين، ولا سيما المبدعين منهم، يصبح دورها الأكبر؛ إذ يولد الكفيف وينشأ ويتعلم وتتكوّن لديه رؤيته للعالم معتمدًا في المقام الأول على أسرته.
فهي أول مرافق له، وأول عين تصف له ما حوله، وهي التي تدعمه وتشجعه وتنبهه إلى الصعاب التي قد تعترض طريقه، وتغرس فيه الثقة بالنفس وروح التحدي والإصرار.
شهادات المبدعين
في رسالتي للدكتوراه، وعنوانها «معوقات الإبداع لدى المكفوفين: تحليل سيسيولوجي»، أجريت الدراسة على 25 مبدعًا من المكفوفين في نحو 16 مجالًا إبداعيًا،
منها الرماية بالقوس والسهم، والموسيقى، والإنشاد، والأعمال اليدوية (الهاند ميد)، والتحضير للدراسات العليا، وغيرها. ولم أجد واحدًا منهم إلا وقال لي إن للأسرة دورًا كبيرًا فيما وصل إليه.
تقول مبدعة في مجال المونتاج، وهي رائدة في العمل التطوعي من الصعيد: «لم تشعرني الأسرة يومًا أنني كفيفة، وكانت والدتي تصرّ على الذهاب معي في جميع الفعاليات، من حفلات أو سفر إلى القاهرة، لكي تشجعني وتدعمني».
وتحكي مبدعة في مجال الموسيقى: «لقد زرع والدي فيّ الثقة بالنفس والرغبة في التحدي والإصرار. وأذكر عندما كنت صغيرة موقفًا لا أنساه؛
قالت له إحداهن: أنت عندك بنت كفيفة؟! مش هتبقى حاجة. فقال لها والدي بنبرة ثقة وتحدٍّ: لا، هتبقى حاجة، وبكرة تعرفي». وقد أصبحت هذه الفتاة عازفة في عدد من الفرق الموسيقية، وانضمت إلى فرقة جميع أعضائها من المكفوفين،
وشاركت في حفلات كثيرة داخل مصر وخارجها، وصارت كذلك رائدة في العمل التطوعي لتوعية المجتمع بكيفية عيش المكفوفين والتعامل معهم.
وتقول أول كفيفة مصرية تمارس رياضة القوس والسهم: «الأسرة هي من زرعت فيّ الثقافة واحترام النفس، وكان إخوتي حريصين على تثقيفي، يبحثون بدأب عن أي دورة مفيدة ويقدّمون لي فيها حتى أستفيد منها في تطوير مهاراتي وإمكاناتي».
ويؤكد مبدع في الإنشاد والهندسة الصوتية أن أسرته قدّمت له دعمًا معنويًا كبيرًا أسهم إسهامًا واضحًا في نجاحه وإبداعه.
ويرى مبدع آخر في مجال التعليق الصوتي، وهو أيضًا صانع محتوى على يوتيوب، أن الأسرة التي ترى في الإعاقة البصرية ميزة لا عيبًا، فتغرس الثقة في ابنها وتنمّي مهاراته وتؤمن بقدراته المتميزة، تُخرج فردًا واثقًا من نفسه، ناجحًا ومتفوقًا.
وعلى المنوال نفسه تحدّث بقية المبدعين الخمسة والعشرين، وأجمعوا على الأهمية القصوى للأسرة بوصفها المفتاح الأول لإبداع المكفوفين.
ثلاث بيئات للإبداع
يحتاج الإبداع، من وجهة نظري، إلى ثلاثة عناصر:
- البيئة التأسيسية، وهي التي تغرس البذور الأولى وتنمّيها وتُلهم صاحبها.
- البيئة الحاضنة، مثل المدرسة والجامعة والنادي والساحات الشعبية وقصور الثقافة، التي تحتضن المبدع ليُظهر إبداعه ويعبّر عنه.
- الجماعة المبدعة، وهم الرفقاء المهتمون بمجال واحد، كجماعة الشعراء وجماعة الكتّاب، يشجع بعضهم بعضًا على الإبداع ويتنافسون في النجاح.
أما البيئة التأسيسية الأولى فهي، بلا شك، الأسرة؛ إذ ترى البذور الأولى للإبداع وترعاها وتنمّيها بتهيئة مناخ آمن لنمو هذه النبتة، وإتاحة حرية التعبير للفرد داخل الأسرة، والحوار المتبادل، والتشجيع والدعم، وغرس القيم والثقافة والأخلاق.
ما تقوله الدراسات
وقد أكدت دراسات عديدة أهمية السياق الاجتماعي والنفسي للأسرة في إبداع الأبناء، ومنها ما عرضه عبد الحليم محمود السيد في كتابه «الأسرة وإبداع الأبناء» تحت عنوان «السياق النفسي الاجتماعي بالأسرة وعلاقته بالقدرات الإبداعية للأبناء».
يشير المؤلف إلى أن نتائج الدراسات التي تناولت العلاقة بين أساليب معاملة الوالدين وقدرات الأبناء الإبداعية قد تتعارض أحيانًا، لكن محاولات الكشف عن خصائص مناخ التنشئة المرتبط بارتفاع هذه القدرات أو انخفاضها لا تتوقف.
ويرى بعض الباحثين أن السلوك الإبداعي، الذي يعبّر فيه الشخص عن نفسه بتلقائية بعيدًا عن الامتثال للمعايير السائدة وعن الإجبار على المحاكاة، ينمو في ظروف أسرية تقلّ فيها القيود على التعبير عن الأفكار الجديدة، وتزداد فيها أساليب التشجيع على حرية التعبير عن التخيلات وعلى خوض الأعمال الصعبة غير المألوفة.
ويستعرض المؤلف دراسة تجريبية أجراها دنتلر وماكلر عام 1964، تلقي الضوء على الجو النفسي الاجتماعي في الأسرة المرتبط بارتفاع درجة الإبداع.
وكان هدفها التحقق من فكرتين: الأولى فكرة «لاسويل» أن العلاقة الدافئة القائمة على الاندماج بين المبتكر ومن يشجعه تزيد من عدد الحلول الأصلية التي ينتجها، والثانية فكرة «روجرز» (1959) أن الإبداع يزداد في ظروف الأمان النفسي بين الذات والموضوع.
ولم يحدد لاسويل ولا روجرز عناصر «العلاقة الدافئة» أو «الأمان النفسي» تحديدًا دقيقًا،
ولم تهدف دراسة دنتلر وماكلر إلى تحديدها كذلك، لأن ذلك يحتاج إلى مزيد من الدراسات الإكلينيكية والنفسية الاجتماعية. وإنما هدفت إلى معرفة ما إذا كان اختلاف التنبيه الاجتماعي يؤدي إلى فروق في درجة الابتكار، أو الأصالة على وجه التحديد.
ولقياس الأصالة لدى طلبة جامعة كانساس ذوي التحصيل الأكاديمي المرتفع، استُخدمت صورة معدّلة من مقياس «استخدام الأشياء» لجيلفورد، حيث يُطلب من المفحوص أن يكتب في خمس دقائق أكبر قدر ممكن من استخدامات شيء شائع.
وتتسم استجابات بعض الأفراد على هذا الاختبار بانخفاض «المرونة في التفكير»؛ فعند السؤال عن استعمالات القلم الرصاص مثلًا، يتعاملون معه على أنه أداة للكتابة فقط فيعدّدون أنواع الكتابات الممكنة، مع أنه يمكن استخدامه في أغراض أخرى كثيرة.
ويفترض دنتلر وماكلر أن هذا التصلب في التفكير يمكن تخفيفه في سياق نفسي اجتماعي يتسم بالأمان، يُقدَّر فيه الشخص المبدع نفسه من قِبل من يشجعه، لا مجرد إنتاجه الإبداعي.
ماذا تضيف الدراسات العربية الحديثة؟
وتتقاطع هذه الرؤية مع دراسات عربية أحدث. فقد بحث الشهري (2022) العلاقة بين الدعم الأسري المدرك وجودة الحياة لدى ذوي الإعاقة الحركية والبصرية.
وتضيف دراسة الخليفة (2018) على أعضاء اتحاد المكفوفين بولاية الخرطوم بُعدًا مهمًا؛ فقد سعت إلى معرفة دور الأسرة في دعم أبنائها ليتفاعلوا مع من حولهم، وخلصت إلى أن خوف الأسرة والمجتمع على الكفيف أحد أسباب انسحابه الاجتماعي. وهذا يؤكد أن المطلوب هو الدعم الذي يفتح الأبواب أمام الكفيف، لا الخوف الذي يغلقها.
خاتمة
تتفق شهادات المبدعين المكفوفين مع ما تذهب إليه الدراسات النفسية والاجتماعية: الإبداع ينمو حين يجد الفرد أسرة تمنحه الأمان، وتقدّره لذاته قبل إنتاجه، وتؤمن بقدراته، وتفتح له أبواب التعلم والمشاركة. ومن هنا فإن الأسرة هي مفتاح النجاح والإبداع، وفيها تتشكل ملامح شخصية جميع أفراد المجتمع، ولا سيما المكفوفين منهم.
المراجع
أحمد سيد أحمد. «معوقات الإبداع لدى المكفوفين: تحليل سيسيولوجي». رسالة دكتوراه، قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس، يونيو 2023.
عبد الحليم محمود السيد. الأسرة وإبداع الأبناء. القاهرة: دار المعارف، 1980.
جابر عز الدين جابر الخليفة. أثر الإعاقة البصرية على التفاعل الاجتماعي وسط أعضاء اتحاد المكفوفين السوداني: دراسة ميدانية، اتحاد المكفوفين بولاية الخرطوم. رسالة ماجستير في الخدمة الاجتماعية، 2018.
صالح بن سعيد الشهري. «علاقة الدعم الأسري المدرك للمعاقين حركيًا وبصريًا بجودة الحياة لديهم». المجلة المصرية للدراسات النفسية، مج 32، ع 114 (2022)، ص 209–250.
Dentler, R. A., & Mackler, B. (1964). Originality: Some social and personal determinants. Behavioral Science, 9(1), 1–7.
اقرأ أيضا للكاتب الدكتور أحمد سيد المصري: قصص نجاح ملهمات كفيفيات
