مبدعات رغم التحدي: قصص نجاح ملهمة من المكفوفات المعاصرات

specialegypt
الصفحة الرئيسية

مبدعات معاصرات من المكفوفات في القرن الحادي والعشرين


بقلم: د. أحمد سيد المصري

على امتداد التاريخ، لم يكن فقدان البصر عائقًا أمام الإبداع والتميز، بل كان في كثير من الأحيان دافعًا قويًا لتجاوز الحدود التقليدية وتحقيق إنجازات استثنائية. 
فقد شهدت العصور المختلفة نماذج بارزة لمبدعين مكفوفين تركوا بصمات لا تُمحى في مجالات متعددة؛ من أمثال أبو العلاء المعري صاحب "رسالة الغفران"، والإمام الشاطبي في علوم القراءات، والطبيب الضرير داوود الأنطاكي، وصولًا إلى لويس برايل الذي أحدث ثورة في تعليم المكفوفين، ثم في العصر الحديث مع طه حسين والموسيقار عمار الشريعي.
هذه النماذج وغيرها تؤكد حقيقة جوهرية، وهي أن الإعاقة البصرية لم تكن يومًا عائقًا أمام الإبداع، بل إن أصحابها أثبتوا قدرة لافتة على التميز، ليس فقط في تجاوز الصعوبات، بل في تقديم إضافات نوعية تمثل جوهر العملية الإبداعية ذاتها.
فهذا داوود الأنطاكي، على سبيل المثال، لم يكتفِ بدراسة العلوم اللغوية أو المنطقية، بل اقتحم مجال الطب في عصره، وهو مجال كان يبدو بعيدًا عن متناول المكفوفين، فتعلمه وكتب فيه ومارسه، رغم أنه وُلد كفيفًا. ورغم اختلاف طبيعة الطب آنذاك عن العصر الحديث، تظل تجربته نموذجًا رائدًا في كسر القيود التقليدية.
وكذلك لويس برايل، الذي لم يقف فقدان بصره حائلًا أمام طموحه، بل ابتكر نظامًا متكاملًا مكّن المكفوفين من القراءة والكتابة بشكل مستقل، مستلهمًا فكرته من إحدى الشفرات العسكرية الفرنسية، ليقدم بذلك مثالًا واضحًا على أن الإبداع قد يكون تطويرًا أو إعادة توظيف لفكرة قائمة في سياق جديد يخدم الإنسان.

صورة متوسطة الطول تجمع أربع نساء كفيفات ملهمات في ردهة مؤتمرات حديثة ومضاءة بأشعة الشمس وقت الغروب، حيث يقفن معاً أمام لافتة خلفية تعرض وجوه نساء أخريات وعنوان "مبدعات رغم التحدي: قصص نجاح ملهمة" باللغة العربية. على اليسار، تقف السيدة ذات الحجاب الأزرق المنقط (دعاء السبع) وهي تنظر للأسفل وتضغط بأصابعها على هاتفها المحمول ذي الغطاء الأحمر. بجانبها، تقف الشابة ذات القبعة السوداء والحجاب الأزرق الفاتح والسترة الرمادية (منة الله عصام) وهي تشير للأمام بذراعها اليمنى الممدودة. في الوسط، تبتسم السيدة ذات النظارات الشمسية والحجاب الملون (منى ماجد) وترتدي سترة صوفية بيضاء مضلعة. وعلى اليمين، تقف السيدة ذات الحجاب الأبيض والسترة الصوفية باللونين الأسود والأبيض (ياسمين كشك) وهي تبتسم وعيناها مغلقتان وتمرر أصابعها بعناية فوق صفحات كتاب برايل مفتوح تحمله. في الخلفية، تظهر نوافذ كبيرة تطل على مدينة وقت الغروب، مع وجود بعض الأشخاص غير الواضحين في المسافة. المشهد دافئ ومحفز.


ومع تطور الزمن، وخاصة مع دخول القرن الحادي والعشرين، لم تتوقف مسيرة الإبداع لدى المكفوفين، بل شهدت توسعًا ملحوظًا، حيث دخلوا مجالات جديدة ومتنوعة، مستفيدين من التقدم التكنولوجي والمعرفي. وقبل استعراض هذه النماذج المعاصرة، يصبح من الضروري الوقوف على مفهوم الإبداع ذاته، كما تناولته الأدبيات العلمية.

مفهوم الابداع

وقبل استعراض نماذج المبدعين المعاصرين من المكفوفين، من المهم التوقف عند مفهوم الإبداع ذاته، بوصفه الإطار الذي يمكن من خلاله فهم هذه التجارب وتقدير قيمتها.
يُعد الإبداع من المفاهيم المركبة التي تعددت تعريفاتها واختلفت زوايا تناولها، إلا أنها تتفق في جوهرها على كونه عملية إنسانية تهدف إلى إنتاج شيء جديد ذي قيمة.
 ففي أحد التعريفات، يُنظر إلى الإبداع بوصفه عملية توظيف للفكر والخبرة والبيئة المحيطة من أجل الوصول إلى إنتاج جديد نافع للفرد والمجتمع، وهو ما يبرز العلاقة الوثيقة بين المبدع ومحيطه الاجتماعي.
وفي سياق أوسع، يمكن فهم الإبداع باعتباره قدرة على إيجاد حلول جديدة للمشكلات، أو تقديم أفكار غير مألوفة تتسم بالجدة والأصالة. ولا يقتصر الإبداع على مجالات الأدب أو الفن كما هو شائع، بل يمتد ليشمل مختلف مجالات النشاط الإنساني، كالعلم والتكنولوجيا والصناعة، بل وحتى العلاقات الإنسانية.
كما تشير الأدبيات إلى أن الإبداع ليس لحظة إلهام عابرة فحسب، بل هو عملية متكاملة تسبقها مراحل من التفكير والتخيل والإعداد، حتى تصل الفكرة إلى لحظة التبلور والظهور. ولذلك، فإن ما يبدو في ظاهره "فكرة مفاجئة" هو في الحقيقة نتيجة لتراكمات معرفية وتجارب سابقة.
ومن زاوية علم النفس، يُنظر إلى الإبداع باعتباره ظاهرة سلوكية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العمليات العقلية مع الجوانب الوجدانية والاجتماعية، وتنتج عنها أفكار أو منتجات تتسم بثلاث خصائص أساسية: الجدة، والملاءمة، والقيمة.
فالجدة قد تكون نسبية، أي جديدة بالنسبة للفرد، أو مطلقة لم يسبق إليها أحد، وإن كانت الجدة المطلقة نادرة الحدوث. أما الملاءمة فتعني ارتباط الفكرة بالسياق وإمكانية تطبيقها، في حين تشير القيمة إلى ما يحققه الإبداع من منفعة، سواء كانت علمية أو اقتصادية أو جمالية أو أخلاقية.
ولا ينشأ الإبداع في فراغ، بل يتأثر بدرجة كبيرة بالبيئة الاجتماعية المحيطة، التي قد تكون محفزة وداعمة، أو معيقة ومقيدة. فالعوامل مثل تقدير المجتمع، وشعور الفرد بقيمة ذاته، والدعم الذي يتلقاه من الأسرة والمؤسسات التعليمية، تلعب جميعها دورًا محوريًا في تنمية القدرات الإبداعية.
ومن هنا، يمكن القول إن الإبداع ليس حكرًا على فئة معينة، بل هو قدرة كامنة لدى جميع الأفراد بدرجات متفاوتة، يمكن تنميتها وتطويرها متى توفرت البيئة الداعمة والظروف الملائمة.

الإعاقة البصرية في السياق المعاصر

وبعد تناول مفهوم الإبداع، يصبح من المهم توضيح المقصود بالإعاقة البصرية في سياقها المعاصر، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية التي أعادت تشكيل حياة الأفراد المكفوفين بشكل جذري.
فعلى الرغم من تعدد التعريفات التي تناولت الإعاقة البصرية، والتي تدور في مجملها حول وجود قصور كلي أو جزئي في حاسة الإبصار وتأثير ذلك على الأداء اليومي للفرد، فإن هذه التعريفات لم تعد كافية وحدها لفهم واقع الكفيف في العصر الحديث. إذ لم يعد فقدان البصر يعني العجز أو الاعتماد الكامل على الآخرين كما كان يُنظر إليه في الماضي.
فالإعاقة البصرية اليوم يمكن فهمها بوصفها حالة من القصور الحسي، يتم تعويضها بوسائل متعددة، في مقدمتها التكنولوجيا الحديثة والمعينات المساعدة
مثل قارئات الشاشة، والتطبيقات الذكية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الوسائل التقليدية كطريقة برايل. وقد أسهم هذا التطور في تمكين الأفراد المكفوفين من التفاعل بفاعلية مع المجتمع، والمشاركة في مختلف مجالات الحياة التعليمية والمهنية.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الشخص الكفيف المعاصر باعتباره فردًا قادرًا على التعلم والعمل والإنتاج، يعتمد على أدوات حديثة تعزز استقلاليته، وتفتح أمامه آفاقًا واسعة للإبداع والابتكار. 
فلم يعد الكفيف مجرد متلقٍ للخدمات، بل أصبح فاعلًا ومؤثرًا، يسهم في تشكيل المعرفة وإنتاجها.
كما أن هذا التحول لم يكن تقنيًا فحسب، بل صاحبه تغير في النظرة المجتمعية نحو الإعاقة، حيث أصبح التركيز يتجه نحو قدرات الفرد وإمكاناته، بدلًا من التركيز على جوانب القصور لديه. وهو ما انعكس بدوره على زيادة فرص المشاركة والاندماج، وخلق بيئات أكثر دعمًا للإبداع.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الكفيف المعاصر يختلف بشكل كبير عن نظيره في العصور السابقة، ليس من حيث طبيعة الإعاقة، بل من حيث الأدوات والفرص المتاحة، وهو ما أتاح له اقتحام مجالات جديدة لم تكن متاحة من قبل، وأصبح أكثر قدرة على التعبير عن ذاته وتحقيق طموحاته.

دعاء السبع.. حين تتحول التحديات إلى مهارة احترافية

في إحدى قرى الصعيد، بدأت رحلة دعاء السبع، الفتاة الكفيفة التي لم تكتفِ بالحصول على تعليمها الجامعي أو الاكتفاء بوظيفة تقليدية، بل قررت أن تصنع لنفسها مسارًا مختلفًا، يحمل بصمتها الخاصة.
كانت التكنولوجيا في البداية مصدر قلق بالنسبة لها؛ فالتعامل مع الأجهزة الحديثة، والبرامج الناطقة، والهواتف الذكية لم يكن أمرًا سهلًا. لكن هذا التردد لم يدم طويلًا، إذ قررت أن تواجه مخاوفها بنفسها، فبدأت المحاولة تلو الأخرى، حتى أصبحت قادرة على استخدام هذه الأدوات بكفاءة.
غير أن التحدي الأكبر كان في دخولها مجال "المونتاج"، وهو مجال نادرًا ما يقتحمه المكفوفون، نظرًا لاعتماده الكبير على العناصر البصرية. جاءت الفكرة من موقف بسيط، حين احتاجت إلى إعداد فيديو لإحدى المناسبات، لكنها فوجئت بارتفاع التكلفة وصعوبة تنفيذ ما تريد، فكان قرارها حاسمًا: "سأتعلم بنفسي".
وبالفعل، بدأت رحلتها في التعلم بمساعدة أشخاص مبصرين، وخلال أيام قليلة فقط استطاعت فهم الأساسيات، ثم واصلت التدريب والتجربة حتى تمكنت من إنتاج فيديوهات متكاملة، تجمع بين الصوت والصورة والكتابة.
ومع مرور الوقت، لم تعد دعاء مجرد متعلمة، بل تحولت إلى محترفة يُطلب منها تنفيذ أعمال لمناسبات يشارك فيها مبصرون، وهو ما يعكس مستوى الثقة في جودة عملها. بل أصبحت قادرة على إنجاز مهام المونتاج بشكل مستقل، حتى في غياب فريق العمل.
وتؤكد تجربتها أن جوهر النجاح لا يكمن في غياب الصعوبات، بل في القدرة على تجاوزها، وأن توافر الأدوات المناسبة مع الإصرار يمكن أن يفتح آفاقًا لم تكن متوقعة.
إن قصة دعاء السبع ليست مجرد تجربة فردية، بل نموذج حيّ لقدرة المكفوفين على اقتحام مجالات جديدة، وإثبات أن الإبداع لا يرتبط بحاسة بعينها، بل بإرادة الإنسان وشغفه.

شيرين ماجد.. حين يصبح الطفل مذيعًا

في مجال يتطلب حضورًا دائمًا، وحركة مستمرة، وقدرة عالية على التفاعل، اختارت الإعلامية شيرين ماجد أن تخوض تجربة مختلفة، وأن تقتحم واحدًا من أكثر المجالات تحديًا، وهو تقديم برامج الأطفال.
لم تكن الطريق سهلة؛ فقد واجهت في البداية صعوبات تتعلق بضعف الإمكانيات التكنولوجية، إلى جانب تحديات مجتمعية تتراوح بين القبول والرفض. لكنها تعاملت مع هذه التحديات بعقلية عملية؛ فعملت على توفير ما تستطيع من أدوات، وابتكرت بدائل لما لم يكن متاحًا، حتى استطاعت أن تفرض حضورها في هذا المجال.
لم تكتفِ شيرين بتقديم محتوى تقليدي، بل سعت إلى تطوير أفكار جديدة، ربما بدت في البداية غير قابلة للتنفيذ. فقدمت برامج تعتمد على إشراك الأطفال بشكل مباشر، ليس فقط كمستمعين أو مشاهدين، بل كصنّاع محتوى حقيقيين داخل الاستوديو.
حوّلت الطفل من متلقٍ سلبي إلى عنصر فاعل؛ فأصبح الطفل مذيعًا، ومُعدًا، ومراسلًا، بل ومشاركًا في إدارة المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي. وقدمت نماذج لبرامج تتضمن ألعابًا حركية داخل الاستوديو الإذاعي، وهي فكرة كانت تبدو صعبة التصور، لكنها نجحت في التطبيق ولاقت تفاعلًا واسعًا.
كما حرصت على تقديم محتوى باللغة العربية الموجهة للأطفال المصريين، في تجربة جمعت بين البساطة والعمق، وأتاحت للأطفال التعبير عن أنفسهم بحرية وعفوية، دون قيود أو حذف، وهو ما أضفى على البرامج طابعًا صادقًا وقريبًا من الجمهور.
ومع مرور الوقت، لم تعد شيرين فقط مقدمة برامج، بل أصبحت مدربة لقادرٍ من الأطفال الذين اكتسبوا مهارات إعلامية متقدمة، حتى باتوا قادرين على العمل بشكل شبه مستقل، بدءًا من التقديم، مرورًا بالبث المباشر، ووصولًا إلى التغطيات الميدانية.
إن تجربة شيرين ماجد تعكس تحولًا مهمًا في مفهوم الإعلام، حيث لم يعد مجرد وسيلة عرض، بل مساحة للتعلم والتجريب وصناعة المواهب. كما تؤكد أن الشغف الحقيقي، عندما يقترن بالإصرار، يمكن أن يحول الأفكار غير المألوفة إلى تجارب ناجحة وملهمة.

منة الله عصام الدين.. دقة التصويب وعدسة ترى بالقلب

قد تبدو بعض المجالات بعيدة تمامًا عن متناول المكفوفين، خاصة تلك التي تعتمد على الرؤية الدقيقة، مثل الرياضة البصرية أو التصوير الفوتوغرافي. لكن منة الله عصام الدين قدمت نموذجًا مختلفًا، أعاد تعريف هذه الحدود بالكامل.
لم تولد منة كفيفة، بل فقدت بصرها في مرحلة متأخرة قبيل إنهاء دراستها الجامعية، وهو ما جعل التحدي مضاعفًا. ومع ذلك، لم تستسلم، بل قررت أن تبدأ من جديد، وأن تكتشف مسارات لم تكن مطروقة من قبل.
كانت البداية حين توجهت لتعلم ركوب الخيل، مدفوعة بشغفها بالحيوانات، لكن الصدفة قادتها إلى التعرف على رياضة القوس والسهم. ومن هنا بدأت رحلة مختلفة، قائمة على التحدي والتجربة.
في هذه الرياضة، يعتمد اللاعبون المبصرون على أدوات بصرية دقيقة لتحديد الهدف، أما منة فكان عليها أن تبتكر أسلوبها الخاص. استخدمت وسائل بديلة تساعدها على تحديد الاتجاه، واعتمدت على الإحساس المكاني والتدريب المستمر، حتى تمكنت من تطوير دقة عالية في التصويب.
بدأت تدريباتها من مسافات قصيرة، ثم أخذت تتدرج تدريجيًا حتى وصلت إلى مسافات احترافية، محققة نتائج متقدمة، ومشاركة في بطولات محلية، مع طموح واضح للوصول إلى المنافسات الدولية وتمثيل بلدها في المحافل العالمية.
لكن طموح منة لم يتوقف عند الرياضة فقط، بل امتد إلى مجال آخر يبدو أكثر تحديًا، وهو التصوير الفوتوغرافي. فبعد أن كان التصوير بالنسبة لها تجربة غير ناجحة قبل فقدان البصر، قررت أن تخوضه مجددًا بعد الإعاقة، ولكن هذه المرة برؤية مختلفة.
تعلمت أساسيات التصوير، وبدأت في التقاط صور للأشخاص والأحداث، معتمدة على تقنيات خاصة في تحديد الزوايا والإضاءة، وعلى تفاعلها مع الأشخاص الذين تقوم بتصويرهم. وقد أثارت تجربتها دهشة الكثيرين، خاصة عندما قدمت أعمالًا لاقت استحسان شخصيات عامة ومسؤولين.
إن تجربة منة الله عصام الدين تكشف أن الإبداع لا يرتبط بالحواس بقدر ما يرتبط بقدرة الإنسان على التكيف وإعادة اكتشاف إمكاناته. فهي لم تتوقف عند حدود فقدان البصر، بل أعادت تشكيل علاقتها بالعالم من حولها، لتثبت أن الرؤية الحقيقية قد تكون أعمق من مجرد النظر.

ياسمين كشك.. من الشغف إلى العالمية

في رحلة مختلفة تجمع بين العلم والفن، استطاعت ياسمين كشك أن تقدم نموذجًا مميزًا للمبدع الكفيف الذي لا يكتفي بمسار واحد، بل يسعى لاكتشاف ذاته في أكثر من مجال.
فعلى الرغم من انشغالها بالدراسات العليا، وتحضيرها للماجستير والدكتوراه، إلى جانب اهتمامها بالموسيقى، وجدت شغفها الحقيقي في مجال "الهاند ميد"، وهو مجال يعتمد بدرجة كبيرة على التفاصيل الدقيقة والاختيارات الجمالية، ما يجعله تحديًا خاصًا للمكفوفين.
لم تكن البداية سهلة؛ إذ واجهت صعوبات في الوصول إلى الخامات، خاصة مع ازدحام الأسواق، فضلًا عن الحاجة إلى من يساعدها في اختيار الألوان وتقييم جودة المنتجات. لكن هذه التحديات لم توقفها، بل دفعتها إلى التعلم والتطوير.
بدأت ياسمين بتعلم الأساسيات، ثم اعتمدت على نفسها في تنمية مهاراتها، مستفيدة من المحتوى المتاح عبر الإنترنت، ومن خلال الاطلاع على أعمال الآخرين، وتحليلها، ثم إعادة تقديمها بأسلوبها الخاص. ومع الوقت، لم تعد مجرد هاوية، بل أصبحت تمتلك مشروعًا متكاملًا يقدم منتجات متنوعة تحمل أفكارًا مبتكرة.
شاركت في العديد من المعارض، وتم تكريمها في أكثر من مناسبة، كما نجحت بعض أعمالها في الوصول إلى خارج مصر، وهو ما شكل بداية لتحقيق حلمها بالانتشار العالمي.
وتؤكد تجربتها أن الإبداع في هذا المجال لا يتوقف عند التنفيذ فقط، بل يمتد إلى القدرة على تطوير الأفكار، وفهم متطلبات السوق، والتكيف مع التحديات الاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار الخامات، واختيار الفئة المناسبة لتسويق المنتجات.
إن قصة ياسمين كشك تعكس روح المبادرة والاعتماد على الذات، وتؤكد أن الشغف، عندما يقترن بالإصرار، يمكن أن يتحول من مجرد هواية إلى مشروع ناجح، بل وإلى نافذة نحو العالمية.

الخاتمة:

في ضوء هذه النماذج الواقعية، يتضح أن الإبداع لدى المكفوفين لم يعد استثناءً نادرًا، بل أصبح مسارًا ممتدًا ومتجددًا، تؤكده التجارب الحية في مجالات متعددة، من الإعلام والفن، إلى الرياضة وريادة الأعمال. فهؤلاء لم يكتفوا بتجاوز الإعاقة، بل أعادوا تعريف الممكن، وفتحوا آفاقًا جديدة لما يمكن أن يقدمه الإنسان حين يمتلك الإرادة والدعم المناسب.
كما تكشف هذه التجارب أن التطور التكنولوجي، إلى جانب التغير النسبي في النظرة المجتمعية، لعب دورًا محوريًا في تمكين الكفيف المعاصر، ومنحه أدوات أكثر استقلالية، ساعدته على التعبير عن ذاته، وتحقيق حضوره في مجالات لم تكن متاحة من قبل.
ومع ذلك، يظل الطريق مفتوحًا أمام مزيد من الدعم والتطوير، سواء على مستوى المؤسسات التعليمية، أو السياسات الاجتماعية، أو بيئات العمل، بما يضمن استثمار هذه الطاقات الإبداعية بصورة أكثر فاعلية.
إن الإبداع لا يرتبط بحاسة، ولا يتحدد بقدرة جسدية بعينها، بل هو انعكاس لمرونة الإنسان وقدرته على التكيف، وإعادة تشكيل واقعه. وما هذه النماذج إلا دليل حي على أن فقدان البصر لا يعني فقدان البصيرة، بل قد يكون بداية لرؤية أعمق وأكثر اتساعًا.

المراجع:

جلدة، سالم بطرس. (2006). إدارة الابتكار والإبداع. عمّان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع.
متولي، ناريمان إسماعيل. (2008). الإبداع في علم المكتبات والمعلومات المعاصر: دراسة نظرية وتطبيقية. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
قناوي، شادية. (2006). قضايا عربية معاصرة. القاهرة: الدار المصرية السعودية للطباعة والنشر والتوزيع.
عامر، أيمن محمد. (2008). الشخصية المبدعة: محدداتها وآفاق تنميتها. القاهرة: مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع.
أحمد، أحمد سيد أحمد حسن. (2023). معوقات الإبداع لدى المكفوفين في المجتمع المصري: تحليل سوسيولوجي (رسالة دكتوراه). جامعة عين شمس، كلية الآداب، قسم الاجتماع.

google-playkhamsatmostaqltradent