حكايتي مع الفرجة الشعبية بقلم الأستاذ الدكتور كمال الدين حسين

 
حكايتي مع الفرجة الشعبية  بقلم الأستاذ الدكتور كمال الدين حسين

حكايتي مع الفرجة الشعبية

بقلم  ا. د كمال الدين حسين

استاذ الأدب المسرحي والدراسات الشعبية كلية التربية للطفولة المبكرة

عضو الجمعية البريطانية للمعالجين بالدراما

عضو اتحاد كتاب مصر

 

الأراجوز، صندوق الدنيا، خيال الظل، الحاوي، القرداتى، لاعبى السيرك الشعبي، جميعها أشكال من فنون الفرجة الشعبية التي استمتع بها أجيال من المصريين، وعلى الأقل من عصور المماليك ، حتى وقت قريب.

وأقصد بفنون الفرجة الشعبية " أشكال من العروض التى تقدم للجماهير في الساحات والطرقات ، تعبر عن قضايا المجتمع وبعض من نماذج الشخصيات، بشكل كاريكاتوري، وتستعين في تجسيد احداثها بلاعبين يتقنون فنون المحاكاة والتقليد، واللعب بالعرائس، أو اعتماداً على المهارات الجسدية - فنون أداء - كما في الحاوي ، ولاعبي السيرك، وذلك في مقابل القليل من المال.

كما توارثوها عن الأباء والأجداد أو معلمي اللعبة كما في حالة المعجبون ممن يستهويهم شكل من هذه الاشكال، ويرغبون في ممارستها ليس من أجل المال وحده، بل لإشباع حبهم لها، واثبات قدراتهم على التقليد والمحاكاة ".

شهدت مع أبناء جيلي كل هذه الفنون، إما في الساحات، والطرقات، والحوارى والأزقة، خاصة فنون الاراجوز والحاوي والقرداتى وصندوق الدنيا ، أو في الموالد خاصة مولد السيدة زينب ،حيث أنى من أبناء هذا الحى، وكان مولدها من أهم الموالد باعتبارها من نسل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

وفيها شاهدت خيال الظل ولاعبي السيرك الشعبي ، في اماكن انشأت خصيصا لتقديمها، وطبعاً كان هناك من فنون الأداء الشعبي ، الغوازى ، والمطربون الشعبيين ، لكن الفرجة عليهم لم تكن محببة للأطفال .

شاهدت هذه الفنون، وتأثرت بها وحفرت لها فى صدري مكانا لها، لم الحظة إلا في فترة الشباب عندما بدأت الدولة منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي تهتم بفنون الشعب سواء القولي ، أو الأدائي ، أو الحرفي ، وإعادة احياء ما أختفى منه بأسلوب علمي وفنى جديد.

وكان لى شرف المشاركة في هذا الزخم من تأصيل الفنون الشعبية، وتوظيفها للدعاية لمصر، وفنونها ،عندما شاركت كراقص في الفرقة القومية للفنون الشعبية - فرقة الدولة الرسمية - ، أو كباحث في فنون المسرح عامة ، وفنون الفرجة الشعبية خاصة.

عندما تغير توجه  المسرح المصري وأصبح يعبر عن قضايا وأحلام المجتمع المصري وفنونه، وهنا كان المسرح مجالاً خصباً لاستثمار فنون الفرجة الشعبية، وقد وثقت هذا في رسالتي للدكتورة من المعهد العالي للنقد الفني ، والتي تحولت كتاباً يتناول  "توظيف التراث الشعبي في المسرح المصري المعاصر "، وكان لعناصر الفرجة الشعبية وتوثيقها جانبا هاما به.

 ازدادت العلاقة بيني وبين فنون الفرجة، عندما عينت عضو هيئة تدريس بكلية رياض الأطفال فى عام 1990، في تخصص الأدب المسرحي والدراسات لشعبية ، في هذا الوقت اكتشفت أن نظرة العالم قد تغيرت بالنسبة لواحد من أهم أشكال الفرجة الشعبية ، وهو فن العرائس، ومنها عرائس القفاز أو اليد التي منها  عندنا  بعرائس الاراجوز، من ناحية اخرى تغيرت أيضاً اساليب ومناهج تعليم الطفل وتربيته عن الطرق التقليدية التي اعتدناها في طفولتنا، وأصبحت العرائس وسيطاً هاماً في التعامل مع الاطفال في مجالات :

- التعليم

- التربية

- تعديل السلوك

- العلاج النفسي

وذلك استفادة من قدرتها على جذب الأطفال، ولفت انتباههم لمشاهدتها والمشاركة في تصنيعها والتحاور بها ومعها، داخل حجرات الأنشطة أو الفصول الدراسية، وبمساعدة المعلمة المدربة جيداً على تصنيع وتوظيف العرائس، والإعداد اللازم للمادة التعليمية أو المعرفية مع الأطفال، ذلك باستخدام أكثر من نوع من العرائس، وليس القفاز وحده ، مثل عرائس العصا، والقضيب، والاصبع، وخيال الظل، والأقنعة.

بجانب توظيف شكل آخر من فنون الأداء الشعبي وهو الحكي أو فن رواية القصة، الذى أصبح محوراً هاماً للتواصل بين المعلمة والأطفال، لتحقيق الأهداف التربوية والمعرفية والسلوكية للمناهج الدراسية.

دفعني كل هذا لوضع منهجاً تعليمياً متميزاً لمعلمات رياض الأطفال لاستخدامه مع ابنائنا من الأطفال داخل الروضات باختلاف مستوياتها ، وسواء كانوا أسوياء أم من ذوى الاحتياجات الخاصة، أو من يعنون من اضطرابات نفسية واجتماعية .

والأن كيف ساهمت بأشكال الفرجة الشعبية، في المسرح حتى وصلت إلى تصميم عربة الفرجة الشعبية ؟

بدأت العمل في الإخراج المسرحي في مصر، بعد حصولي على بكالوريوس المعهد العالي للفنون الشعبية  نقد ودراما فى عام 1981 ، وساعدت اثنين من عمالقة الإخراج آنذاك ، الأستاذ الدكتور أحمد زكى رحمه الله ، الذى وظف الأراجوز في مسرحية ابن البلد التي قدمها المسرح القومي .

والأستاذ عبد الغفار عودة رحمه الله ، الذى أتاح لي فرصة الاخراج في مسرح الغرفة – المتجول –من عام 1983 ،والتي قدمت لها اعمالاً كبيرة ، بتكاليف بسيطة وإعداد فنى يسهل من انتقاله بين المحافظات تبعا لسياسة المسرح المتجول.

على سبيل المثال نص الذباب الازرق لنجيب سرور والذى تناول فيه أبعاد القضية الفلسطينية، قدم في 56 ليلة عرض بمحافظات، القاهرة والاسكندرية والوادي الجديد والمنوفية، أو في قطاع الفنون الشعبية من 1993 حين تولى رئاسة القطاع وانتدبني للعمل مشرفا فنيا للفرقة القومية.

ثم مديراً لإدارة البحوث والدراسات الشعبية التي أنشأتها بموافقة سيادته، وقد ساهمت مع سيادته في أنشاء فرقة لمسرح الاطفال تحت 1818 سنة وقدمت لها عملين، عفوا يأبى 1993 ، البلياتشو وست الحسن 1994.

الفرجة الشعبية والمسرح في أعمالي :

أردت من هذه المقدمة الطويلة التأكيد على بعض النقاط الهامة في عملية الابداع ، الأولى : أن المبدع ابن مجتمعه ويكتسب الكثير من القدرات والمهارات الفنية من الاحتكاك بما يوجد في مجتمعه .

الثانية : أن عشق الثقافة والفن الشعبي يؤدى بالضرورة إلى تنمية الخيال ويدفع بالمبدع الى محاولة اكتساب المزيد من عناصره .

 الثالثة :أن الابداع أيا كان  وفى أي مجال، في حاجة لعشق المجال، ومحاولة التعرف على جوانبه المختلفة ، وفهمها من خلال  خلفية علمية، وفهم، وممارسة، والرغبة في الإضافة لتنمية وتطوير المجال الذى يعشقه.

بالطبع كان لعشقي لفنون الفرجة الشعبية دوراً مهماً في رحلتي مع الإخراج المسرحي في مصر، فعندما تعرضت لإخراج كوميديا الغربان للدكتور محمد عناني، على مسرح الطليعة 1987،استحضرت لذهني صندوق الدنيا ، بالراوي ومساعديه ، والعدسات الزجاجية التي ينظر من خلالها الاطفال للصور التي تمر امامهم داخل الصندوق اثناء حكى الروى عنها .

وهكذا كانت الرؤيا لمشاهد العرض مجموعة من الصور المتتابعة، وعلى يسار المسرح يقف الراوي بصندوق الدنيا، ومعه مساعديه ليحكي ويروى ما سوف يحدث لننتقل إلى الصورة مجسدة على خشبة المسرح ، وباستمرار المشاهد تستمر رواية الراوي، وتتعاقب المشاهد يقودها الروى تماما كما يحدث في صندوق لدنيا .

وفى عام 1990 ، قمت بأعداد واخراج مسرحية حكايات حارتنا عن نجيب محفوظ ، وقدمتها من خلال المسرح الحديث وفيها وظفت عرائس اليد- القفاز -  لتجسد شخصيتان نسائيتان نمامتان ، نمط لبعض سيدات الحارة المصرية ، وجسدا المشهد كاملاً ، ولاقى استحسانا آنذاك .

وفى عام 1992، قدمت عرضا للأطفال يعتمد على الارتجال ومشاركة الجمهور من الاطفال في المشاهد المختلفة، تبعاً لمفهوم الدراما الإبداعية،كما قدمت به حكاية العنزات الثلاث واستخدمت عرائس القفاز لتقديمها وكلن العرض باسم هيا نلعب من انتاج المسرح القومي للأطفال .

أثبتت التجربة الفردية أهمية اشكال الفرجة الشعبية، في تجسيد بعض الرؤى الدرامية في العرض المسرحي، ومدى استجابة الجماهير لها خاصة الاطفال؛ مما دفعني لمزيد من التفكير والتخيل نتج عنه تصميم " عربة الفرجة الشعبية ".

في عام 1993 دعاني الأستاذ الدكتور عبد الوهاب سيح أحمد محافظ الشرقية ، - كان أستاذي في كلية طب الأسنان – لأنشاء فرقة مسرحية للأطفال بمحافظة الشرقية ، لكن أى أطفال وأى مسرح ؟

كانت هناك مجموعة من الأطفال  في جمعية الرعاية المتكاملة بالزقازيق ، لديهم العديد من المهارات الفنية في الغناء والتمثيل، ومعهم بعض المدربين في مجالي الغناء والموسيقى والتمثيل ، فكانوا جميعاً نواة الفرقة ، لكن ماذا عن مكان العرض ؟

لم يكن هناك الكثير من المسارح في المحافظة خاصة في المدن والقرى التي تبعد عن مدينة الزقازيق ، هنا استحضرت فكرة تجربة المسرح المتجول – الغرفة - ، مع نمو العلاقة بفنون الفرجة الشعبية .

المهم، فكرت لماذا لا يكون مسرحاً متجولاً قليل التكلفة ثرى في مضامينه التربوية والتعلمية، ثم لماذا لا نستخدم العرائس بجانب الممثل البشرى، ولماذا لا نوظف تقنية الحكي أو فن رواية القصة ؟ وجميعها اثبتوا كفاءتهم في التعامل مع الأطفال داخل المؤسسات التعليمية، لكن كيف يتم جمعها في عرض واحد ، ؟؟؟

لو كان لدينا صندوق متنقل، له أربع جوانب الأيمن يجهز ليكون مسرحاً لعرائس اليد ، والأيسر به فتحة يركب عليها ستار أبيض ليكون مسرحاً لخيال الظل مع وضع مصدر ضوئي بالداخل، أما الجانب الأمامي ،فبه درجات سلم تجلس عليها من تقوم أو يقوم برواية القصة او الحكي ، وحتى لا ننسى صندوق الدنيا فليصمم الجانب الرابع على شكل صندوق الدنيا ببرجيه وعدساته الأربع، وحتى إن لم  يوظف، فيكفى أن نذكر به الجميع .

استحسنت للفكرة لكن العقبة الآن كيف سيتم نقل هذا المسرح أو الصندوق، فكرت في تلك العربات الصغيرة التي يبيع عليه البعض الخضار، أو الفاكهة، والتي تسير بعجلتين ولها ذراعين تدفع بهما العربة وتمتلئ بها الطرقات.

اذاً ليكن مسرحنا الجديد على شكل عربة يد بسيطة تحمل الصندوق، وعرضت الفكرة على شاب يعمل كمهندس ديكور فأعجب بها وبدأن تصنيع عربة الفرجة الشعبية بجوانبها الأربع ، ثم قمنا بتزيين العربة برسومات شعبية مستلهمة في فنون الوشم، والرسوم الشعبية المختلفة، نفذت العربة مع الوضع في الاعتبار أن لا عبى العرائس سيكونون بداخلها لذك تركنا فتحة في قاع الصندوق تصل بالأرض وتسمح للاعب أو اثنين بالوقوف بها لتحريك العرائس بأنواعها .

 وتم كتابة نص مستلهم من الحكايات الشعبية بعنون ست الحسن ست الحكاوى، ووظفت به جوانب العربة ، جانب الحكي حيث تجلس ست الحسن لتبدأ بحكي قصتها، ثم جانب مسرح العرائس ليجسد جزء من الحكاية، وايضاً خيال الظل، ويحيط بالعربة  ممثلي باقي الشخصيات لتكمل تمثيل العرض.

وقدم  العرض الاول أمام الجمهور وبحضور المحافظ في ساحة جمعية الرعاية المتكاملة بالزقازيق ، ثم عرض آخر في فناء احدى المدارس الابتدائية بمنيا القمح .

في عام 1994 حاولت نقل التجربة إلى القاهرة، وخاصة في قطاع الفنون الشعبية، لكن كان  مسرح البالون الخاص بالقطاع، مشغولاً بخطة سبق اعدادها، وهنا قررت أن أقدمه في حلبة السيرك ، ووجدت موافقة من رئيس القطاع أ. عبد الغفار عودة رحمه الله، وقام الشاعر سمير عبد الباقى بعادة صياغة النص.

وتم تنفيذ عربة جديدة خاصة بالعرض وبنفس المواصفات، وتم تقديم عرض " البلياتشو و ست الحسن " على حلبة السيرك القومي عام 1994 ، وبالضرورة تم الاستعانة ببعض عناصر الفرجة الشعبية الخاصة بالسيرك، مثل راكب الدراجة ذات العجلة الواحدة، والمهرج وغيرها من العاب السيرك.

مما يتناسب مع طبيعة العرض، مع الاستفادة من عمارة حلبة السيرك بكل ما فيها الارضية، الشرفة الخاصة بالموسيقيين،واجهزة العقلة ،لإكساب العرض مزيداً من المصداقية، والحمد لله نجحت التجربة .

هذه حكايتي مع عناصر الفرجة الشعبية، بداية من المشاهدة، نهاية برحلتي كباحث ومخرج، ومعلم لعناصر الفرجة الشعبية مع الأطفال في مجالات :

- التعليم

- التربية

-  تعديل السلوك

-  العلاج النفسي

- مسرح الطفل

وأحمد الله تعالى على كل التوفيق الذى صادفني في هذه الرحلة، فالفضل الأول والاخر لله سبحانه وتعالى.

القاهرة 21/9/2019

المصدر: المقال منشور فى كتاب الأرجوز المصرى، شهادات وتجارب - صادر عن المركز القومى لثقافة الطفل 2019

 

الكلمات الدلالية:

الفرجة الشعبية      كمال الدين حسين      فنون الفرجة الشعبية PDF      مسرح الفرجة PDF    الفرجة المسرحية      ما هي الفرجة      كلية التربية للطفولة المبكرة       الاراجوز      صندوق الدنيا    خيال الظل       الحاوي      القرداتى       لاعبى السيرك الشعبي     المسرح     التراث الشعبى  الأراجوز والعرائس التقليدية    رياض الأطفال


google-playkhamsatmostaqltradent