الأخبار
أخرالأخبار

الحلقة رقم (12) الأوتيزموفوبيا Autismophobia للأستاذ الدكتور إيهاب رجائى

 

 


سلسلة تحطيم أصنام التوحد

الحلقة رقم (12) الأوتيزموفوبيا Autismophobia

بقلم / الأستاذ الدكتور : إيهاب رجائى

أستاذ الوراثة الإكلينيكية

استشارى المخ والأعصاب للأطفال 

وذوى الاحتياجات الخاصة بالمركز القومى للبحوث 

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، اليوم لدينا موضوع جديد ،أسعد أن أكون أول من يطلق هذا المسمى " أوتيزموفوبيا " ويعنى " فزاعة التوحد" ، والذى انتشر هذه الأيام بطريقة غير طبيعية ، وخاصة لدى الأمهات ، حيث أصبح لديهن خوف غير طبيعى بسبب ما يسمعن ويقرأن وأصبح الخوف يتملك العديد منهن ، وأنا متعاطف مع الأمهات ومتفهم دوافعهن ، ولكن فى الحقيقة الصورة أصبح مبالغ فيها ، لدرجة أننا أصبحنا نأخذ وقت ومجهود كبير حتى نتمكن من تخليص الأمهات من هذا الوهم والخوف من فزاعة التوحد أو الأوتيزموفوبيا والمقصود بها "أوتيزم" وتعنى "توحد" و"فوبيا" وتعنى "خوف أو فزع" .

وفى البداية  وبشكل بسيط نؤكد على أنه ليس كل طفل تأخر فى الكلام أو اللغة أو كان يتكلم فى البداية وتوقف ، وكل طفل فقد التواصل البصرى أو يمشى على أطراف أصابعه أو يرفرف بزراعيه أن يكون بالضرورة لديه توحد ، ليس كل طفل يُظهر أعراض التوحد يكون توحدياً .

المشكلة الكبيرة الأولية هى إما تراجع مهارات اللغة وخاصة اللغة التعبيرية أو عدم نضح مهارات اللغة ، وأصبح هناك فجوة بين الطفل وبين العالم المحيط به ، لاسيما بين أبيه وأمه واخوته ؛ فنجد هذا الطفل لا يستطيع التعبير عن مشاعره وعما يدور بداخله سواء باصدار نوبات غضب أو فرح ، أو يتصرف بطريقة غير مناسبة لسنه .

والمشكلة الكبيرة التى تواجهنا أن حالة القلق والفزع لدى الأمهات – وبالطبع يقمن بالتأثير على أزواجهن – اللجوء السريع إلى الأطباء ، وأنا أهيب بزملائى واخوتى وأبنائى من الأطباء بعدم الإستعجال واصدار حكم بأن الطفل لديه " توحد" أو "اضطراب طيف التوحد " أو " سمات توحد" وغيرها من المسميات .

وذلك لأن من شأنه أن يسهم فى قلب كيان الأسرة ، فلا تستعجلوا وافحصوا الأطفال مرة وآخرى ومرات عديدة ولا تضعوا كل ما تقوله الأم موضع اليقين ، يجب أن يكون لديكم درجة من درجات التشكك ، لربما يكون هناك شىء آخر غير التوحد .

وأخطر ما فى الموضوع أن يرتبط التشخيص بوصف عقاقير ما ، ومعظم الناس أصبحت تعرف مبدأي فى عدم الإسراف أو الإستعجال فى وصف عقاقير بعينها ، والقول بأنها لأن الطفل لديه توحد .

وهذا يعد أخطر شىء فى القضية وهو الإستدراج إلى التعاطى الدوائى ، وهدفى من هذا المقال شيئين الأول هو التقليل من مشاعر الخوف والفزع من حدوث التوحد ، والثانى ألا ننجذب ونُستدرج إلى بئر الأدوية ؛ وذلك لأن لها تبعات كبيرة جداً ، ولقد تحدثت كثيراً عن الأدوية وسأظل أتحدث عن أخطار الأدوية والمهدئات والتى أطلق عليها مسمى "مضادات الفصام والجنون" .

هناك أمور كثيرة تتشابه ، وخاصة فى الطفولة المبكرة مع أعراض التوحد ؛ ولذا ليس كل طفل ظهرت عليه أعراض التوحد سواء عدم القدرة على استخدام اللغة التعبيرية أو عوارض بدنية وسلوكية ، حركية مثل الرفرفة أو المشى على أطراف الأصابع أو وجود خلل حسي ، وهناك الكثير من الأطفال ليس لديها اضطراب طيف التوحد ولديها خلل حسي سواء فى حاسة الشم أو التذوق أو الحسي الدهليزي العميق فى الأذن الداخلية أو فى حاسة اللمس أو اللمس العميق أو الخلل البصرى من خلال النظرة الجانبية وغيرها .

وأعود وأؤكد على أنه ليس كل طفل لديه هذه الأعراض أن نسارع على الفور الإستنجاد بطبيب مخ وأعصاب أو طبيب نفسى بدافع أن الطفل لديه أعراض توحد .علينا التريث ونسأل أكثر من متخصص ونبحث دوماً عن خبراء المجال ممن لا يستعجلون فى كتابة الأدوية .

والقضية هى أنه قبل أن أكتب أدوية يجب أن أضع توصيف دقيق للحالة ، وإذا وضعت توصيف دقيق للحالة سوف أتمكن من وضع توصيف دقيق للأسباب ، وفى هذه الحالة يمكننى أن أقترب رويداً رويداً من التشخيص .

وأسمع من الكثير من الأهالى يقولون أن الطفل كان كثير الحركة داخل عيادة الطبيب ، وكان يعبث بكل شىء أمامه ، وتم تشخيصه على أنه " توحد" ! وكما هو الحال فى بعض الأماكن الحكومية التى تجرى عمليات التشخيص بخصوص دخول الطفل المدرسة .

 ومن المؤسف أنها تكون صدمة كبيرة ولها تبعات كبيرة جداً وعلى رأسها اللجوء على الفور إلى طبيب كى يخلصهم من هذا المأزق عن طريق كتابة أدوية  وعلى رأس دوافع ذلك ، الخوف من عدم قبول الطفل بالمدارس العادية أو الحضانات أو رياض الأطفال ، وهنا نجد ظاهرة التعلق الشديد بأى دواء ، وتأتينى العديد من الرسائل من نوعية " أي دواء يادكتور حضرتك عارفه اكتبهولنا بس المهم تنجينا من المأزق اللى احنا فيه " .

أكرر للمرة الثانية أن الإستعجال فى التشخيص والإستعجال فى وصف الأدوية أحياناً يزيد الطين بلة ويزيد الموقف تعقيداً ؛ لأن هذه الأدوية لها تبعات خطيرة جداً على المدى الطويل ، بل أكاد أُجزم أن هناك بعض الأدوية هى التى تتسبب فى حدوث التوحد !!!

يعنى أن الطفل ذاهب إلى الطبيب ولديه بعض الأعراض البسيطة وبمجرد أن إستعجل الطبيب واضطر أن يكتب أدوية وبدأت الأسرة فى استعمالها لفترات طويلة تجاوزت الستة أشهر ، فى هذه الحالة قد ندخل فى دوامة كبيرة جداً ولا يمكننا الخروج منها بسهولة ولابد أن يكون هناك ثمن فادح من العصبية والسلوكيات السلبية الخ .

ولذا أؤكد وأطلب من الأهالى عدم الإستعجال والخوف الشديد وسماع تجارب البعض خاصة السلبية منها والقراءة من الإنترنت من مصادر غير موثوقة وعرض المشكلة على جروبات وسائل التواصل الاجتماعى وسماع فتاوى من غير المتخصصين أو الإستدراج من خلال أشخاص أو مراكز بعينها لتحقيق إستفادة ومكاسب ، فيجب علينا الهدوء والتريث والبحث عن أهل الخبرة والإختصاص .

فليس كل شخص لديه القدرة على تشخيص التوحد بسهولة ، يجب أن يكون لديه خبرات طويله ولديه القدرة على التشخيص الفارق .  

أيضاً القوائم التشخيصية مثل كارز وجيليام لتقدير التوحد وغيرها أحياناً تكون مضللة ؛ لأنها فى بعض الأحيان تستند إلى رواية الأم ، وهذه الأم ربما تكون فزعة خائفة وقد تعطى معلومات تُحسب عليها وقد يتلقاها المُشخص بدون أن يفهم ما وراءها ، وبمجرد وصول التقرير للطبيب يقوم على الفور بإعتماد تشخيص "التوحد" ويكتب أدوية وخاصة عندما يكون مشغول ولديه الكثير من الحالات بالعيادة ، ولا يمكن أن تعالج الأمور بهذه الطريقة أبداً .

أو أن الطفل بعذ ذهابه للحضانة لم يتكلم أو كان خجولاً أو كان عصبياً أو رفرف بيديه أو كان لديه طاقة حركية كبيرة ، على الفور تكون النصيحة المسارعة بالذهاب بابنك لطبيب مخ وأعصاب أو طبيب نفسى لأن لديه اضطراب طيف توحد !

ولذا أهيب بالجميع بالأمانة التى سوف نتحمل مسئوليتها جميعاً يوم القيامة أمام الله ، وخاصة مع التزايد المهول فى الأعداد ؛ بسبب التقدير الزائف والإستعجال فى التشخيص دون رّوية ، فعلى الطبيب أن يستمع جيداً إلى التاريخ المرضى والظروف المحيطة قبل الحمل والولادة وأثناء الولادة وخلال الثلاث سنوات الأولى الحرجة والظروف البيئية السيئة وخاصة بيئة العزل .

وقد تؤدى بيئة العزل إلى عدم نمو المهارات النمائية الأولى كاللغة والادراك والتواصل الاجتماعى والإعتماد على الذات والمهارات الحركية المناسبة للسن ، وهناك ضحايا كُثر من أبناء المغتربين سواء فى الدول العربية أو الأجنبية ، وتأتينى حالات كثيرة تم تشخيصها على أنها اضطراب طيف توحد وهم ليسوا كذلك ، وأنا واثق جداً – بفضل الله عز وجل – ولدّي القدرة أن أُميز بين التوحد وأشباه التوحد أو التوحد الكاذب والاضطرابات الآخرى ، كى نصل فى النهاية ونقول أنه لا يوجد دواء للتوحد ولا يوجد دواء لإستعادة أو اخراج أو تحسين الكلام ، كما يطلب منى البعض !

فنحن حين نعالج ذلك نعالج المشكلات الطبية التى أدت إلى ظهور أعراض التوحد وليس التوحد ذاته ، فلا نعالج تأخر الكلام أو التوحد بالأدوية أو بأى وسيلة أو ممارسة آخرى كالعلاج بالأكسجين تحت ضغط أو بعض جلسات التكامل الحسى وغيرها .

وأهم شىء لو وجدنا الطفل قد خرج عن الإطار والمحتمل لإبراز قدراته وطاقاته ، وأنا دائماً ما أشبهه بأن قطار الإرتقاء الطفولى هو قطار سريع جداً يمضى نحو التطور إلى الأفضل لظروف ما كثيرة ومعقدة ومتشابكة ، يلعب فيها البعد الاجتماعى والظروف الحياتية دوراً كبيراً كالمغتربين والمعاناة الشديدة من مشكلة ازدواجية اللغة واللهجات ، وقد تابعت الكثير من هذه الحالات ، كما إن بعض الأطفال يكون لديها القدرة على التعامل مع أكثر من لهجة والبعض الآخر لا يستطيع ؛ الآمر الذى قد يؤدى بهم إلى الإرتباك أو الإحجام عن الكلام أو ضعف القدرة على توصيل أفكاره للأخرين .

ومن المؤسف أن نمط الحياه فى البلاد العربية وطبيعة عمل الزوج ، تجعل الأب غائب معظم الوقت ولا يوجد سوى الطفل وأمه وخاصة مع الطفل الأول ، حيث تكون خبرة الأم محدودة جداً، مع عدم وجود معظم الأمهات فى "بيوت عائلة" حيث الإستفادة من خبرات الوالدين أو الأجداد .

ولذا فإن الأخطار الكبرى فى التنشئة المبكرة والإعتماد على الأجهزة الإلكترونية والشاشات ، بدافع أن الطفل لديه ملل شديد أو أن الطفل يبكى أو أن الأم تريد أن تنصرف إلى الأعمال الحياتية الروتينية اليومية الخاصة بالمنزل ورعاية بقية الأبناء ، فتؤدى إلى قضاء الطفل أوقات طويلة جداً أمام الشاشات الإلكترونية .

ومعروف طبعاً الأثار السلبية للتعرض المبكر للشاشات الإلكترونية لفترات طويلة وخاصة لما لها من إبهار مع إيقاع عالى وصور سريعة متلاحقة ؛ فتؤدى إلى التشتت البصرى والسمعى وبالتالى تؤثر على الجهاز العصبى للطفل ، والمختص بترجمة الإشارات البصرية والسمعية والحركية وتحدث حالة من الخلل والاضطراب الشديد .

وبالتالى ينجم عن هذا الخلل ركود فى قدرات الطفل ولا تتقدم مع تقدم عمره أو تتراجع قدراته مع تقدم عمره أو قد يفقد بعض المهارات ، ولذا نجد العديد من ضحايا الإغتراب حتى فى داخل بيوت لأشخاص ليسوا مسافرون بالخارج .

وقد ازداد الآمر سوء مع وصول جائحة كورونا ؛ الآمر الذى أدى إلى وجود الأطفال فى المنازل لبضعة أشهر دون الخروج للنوادى أو الحضانات وعدم وجود أى ممارسة حركية ، لغوية ، بيئية ، مع إنشغال الأب والأم بامور آخرى .

كل ذلك قد يؤدى إلى أعراض كثيرة جداً شبيهة بأعراض التوحد ، بالإضافة إلى أن الأمهات بدافع الخوف قد يلجأون إلى جروبات التواصل الاجتماعى ويتعرفوا على التجارب الآخرى ويطبقوا ذلك على أبنائهم ! لدرجة أن بعض أولياء الأمور فى مستهل حديثهم معى أثناء الإستشارة أو الكشف يخبروننى أن طفلهم لديه "توحد" ! وقبل حتى ان أسالهم أو أستفسر منهم عن الشكوى أو الأعراض أجدهم مُسلّمين تماماً .

والآمر أصبح مختلف – وأنا أعمل فى هذا المجال منذ حوالى ربع قرن – فأجد الآن استسلام وتسليم على عكس الماضى الذى كان يتميز بالإنكار والرفض . وأصبح الطلب الآن كتابة دواء للتوحد أو الهدوء أو الكلام أو لزيادة ذكائه حتى يُقبل فى الحضانة ثم المدرسة .

ونبذل مجهود كبير جداً حتى نقنع الفضليات والأفاضل أن ابنهم ليس لديه توحد مع تشبثهم واصرارهم على وجود الأعراض والتسليم بها ، وطلب وصفات طبية سحرية لحل هذه المشكلات وإعادة الطفل إلى الشكل الطبيعى حتى يكون مقبول فى المجتمع بدون نظرات سلبية وبدون تعليقات وبدون كلمات جارحة .

ومن المؤسف أن أجد أيضاً أن معظم من يأتوننى يكون بعد مرور سنوات كثيرة جداً كخمس وست سنوات من تناول الطفل للمهدئات والعقاقير مثل " الديباكين" وغيرها من الأدوية ذات التأثير السلبى على الادراك والمهارات العقلية والإبتعاد تماماً عن الوصول إلى السبب الحقيقى .

ولذا فأنا أطلق مصطلح "الأوتيزموفوبيا" والهدف إن نزيل هذا الفزع من قلوب الأمهات ونتريث وخاصة مع عدم وجود علاجات دوائية سحرية للتوحد .

وقد يقول عنى البعض أننى أضيع الكثير من الوقت حتى أعطيهم قرار التشخيص ، وأنا أفضل أن أخذ وقتى وأقوم بعمل كل فحوصاتى بدلاً من أن أصيب الأسرة بالفزع وبالتالى لجوءها إلى الأدوية حتى تحل المشكلة .

والكثير ينزعج عند طلب التقييمات وأقول لهم أيضاً أن الأهم هو أن أعرف قدرات ابنى وأصف حالته وأتعرف على الأسباب التى أدت إلى هذه الحالة ، ولدينا القائمة الإرتقائية بورتدج والتى تعطينا تقييم لخمسة نواحى مهمة جداً فى مهارات الطفولة المبكرة (اللغة – الادراك – المهارات الاجتماعية والقدرة على التواصل مع الآخرين – رعاية الذات ) .

ومن المؤسف أن نجد الأسرة تنصرف بالكلية للقضية الظاهرية وهى قضية التوحد أو عدم التوحد أو عدم الكلام وتنصرف تماماً ويضيع وقت مهم جداً فى تقدير قدرات هذا الطفل والعمل على تنميتها .

فنحن لكى نقوم بإعداد خطة مستقبلية تربوية فردية تتناسب مع امكانات وقدرات الطفل ، لابد من عمل تقييم ، وأنا أدعو دوماً عمل التقييم من خلال شخص نثق فيه ، يقوم بعمل التقييم دورياً ولا يقل ذلك عن ثلاث مرات على مدار العام ، وبناء عليه يتم إعداد الخطة التربوية الفردية ، وهى عبارة عن مجموعة من الأهداف والأنشطة يمكن أن تتعلمها الأم وتشارك فى تنفيذها مع الطفل بالمنزل وقد يشاركها فى ذلك الأب أو الإخوة ، بالإضافة إلى المركز الذى يلتحق به الطفل أو مدرس الدعم الذى يعمل معه .


وفى الختام

شكراً لكم وإلى لقاء قريب


الكلمات الدلالية :  الأوتيزموفوبيا   علاج التوحد    أدوية التوحد     فزاعة التوحد  Autismophobia



 اقرأ باقى السلسلة من هنا :



الحلقة رقم (11) توحد أم سمات ؟


google-playkhamsatmostaqltradent