ئئ 3- كن شىء أو لا شىء !!! بقلم المستشار : وائل الهلالى
الأكاديمية المصرية للتربية الخاصة

المستشار : وائل الهلالى

سلسلة : غّير حياتك

3- كن شىء أو لا شىء !!!

بقلم المستشار / وائل الهلالى
مدرب ومستشار تحكيم دولى

أخطر شىء ممكن يحدث فى تلك الأيام هو البعد عن الواقع والهروب إلى اللا شىء ... وفى سرد قصير لقصة تذكرتها عن اللا شىء ...
تحكى القصة عن ملك دعا الجميع إلى وليمة كبيرة احتفالاً بزواج ابنته، وكانت من عادة ترتيب المقاعد فى مثل تلك الاحتفالات الرسمية، أن يجلس بجوار الملك باقى الملوك ، ثم الأمراء فالوزراء والسفراء، ثم الأعيان.  يأتي بعد ذلك عامة الشعب.  
إلا أنه أثناء الحفل، فوجئ الحراس برجل عجوز، أشعث أغبر رث الثياب ، حافى القدمين ، يتقدم بخطوات ثابتة ، وبكل جرأة ، ليجلس بجوار كرسى الملك فى أحد المقاعد الشاغرة.
حينئذ، هرول أحد الحراس إليه وبادره سائلاً: "يا هذا، إذا كنت تبغى مقعداً من مقاعد الشعب ، فليس هذا مكانك. هل أنت من عامة الشعب؟ فرد الرجل: "لا، بل أنا أعلى منصباً."  فسأله الحارس: إذن أنت من كبار الأعيان ."  فرد الرجل: "لا، ولكن أعلى من ذلك."  فسأله الحارس حائراً فى أمره: "إذن أنت من السفراء."  فرد الرجل بكل عمق وثقه قائلاً: "أعلى من هؤلاء أيضاً."
 فسأله الحارس متعجباً: "هل أنت من الوزراء أو الأمراء؟"  فرد الرجل: "أعلى بكثير"، فقال الحارس باستغراب: "ربما تكون من الملوك." فرد الرجل: "أعلى منهم كلهم"، الحارس: "أعلى من الملوك؟ لم يبق إلا أن تكون من الملائكة!!”،
فقال الرجل بإصرار: "أعلى من هؤلاء بدون شك" أدرك الحارس أنه أمام رجل مختل العقل، فأراد مداعبته قائلا: "أعلى من الملائكة لا يوجد إلا الآلهة. فهل أنت إله؟، قال الرجل: "أعلى من الآلهة أيضا"، قال الحارس بعد أن نفذ صبره: أعلى من الآلهة لا شيء"،
 فأجاب الرجل بكل ثقة: "أنا هذا اللا شىء"، فهل اللا شىء له صفة؟ نعم. منها أنه غير موجود، وأنه يدل على لا شىء، ولا يحوى شىء، ولا ينتج منه شىء أيضاً، فليس له وزن أو لون أو طعم أو رائحة أو ملمس بل يوجد فى تصورنا لأنفسنا فقط.
فنحن الشىء واللا شىء ونحن أيضاً فى ساحة العقلاء وفى بعض الأحيان فى ساحة الجهل والجنون، نحن من يختار أن نكون فى تلك الساحة أو فى غيرها لأن الله عز وجل أعطانا العقل لكى نفكر ونتدبر أمرنا رشداً فنختار بين الخير والشر لأنفسنا، كل ما علينا أن حدد اختياراتنا بل نحدد المكان والزمان الذى نمضى فيه وقتنا، ونسأل أنفسنا دائماً هل نحن نساوى شىء أم لا شىء؟.
لماذا أكتب فى الشىء واللا شىء ... القصد هو تمييز تصرفاتنا وأفعالنا واختياراتنا لأنفسنا من الحياة والاهتمام بالأشياء التى تضيف إلى رصيدنا فلا نطرح منه بل نضع أنفسنا فى مكانة عالية فى وسط أهلنا ومجتمعاتنا ، مكانة عالية تجعلنا نستحق الدنو من كرسى الملك دون أن يسألنا الحارس عن صفتنا ،
وعن أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تَقوم حتى يفرسها فليغرسها ) صدق رسول الله (ص) ،
ونرى فى الحديث عِظم النبى الكريم (ص) بكلمة غرس التى توحى بالحركة والحياة الجديدة والمبادرة بالأعمال الصالحة قبل انتهاء وانقضاء الأجل ، بالإضافة إلى التفاؤل والأمل والتطلع إلى المستقبل بنظرة مشرقة ، فديننا يدعو إلى العمل ، وبذل الأسباب ، وعدم الركون إلى العجز والكسل ، وأن اللحظة لها قيمتها فى الحياة ولا يستهان بها ، كما دعا إلى عدم الأنانية ، وحب الذات ، ونفع الغير ، صدقت يا نبى الله قولاً وفعلاً .
ترك بصمة خالدة تدل عن واضعها وترسخ فى الأذهان عن فاعلها فقد يقتدى بك الآخرون أو لا يقتدوا ، وعندما ينتفع بما تركت فأعلم أن لبصمتك روح باقية تبحث عنك ولا تكتمل إلا برؤيتك الحقيقية التى هى فى الحقيقة كل شيء ،
 وأذكر ببصمة الروح قصة أستيف جوبز ذلك المشهور الذي صنع نجوميته بيده، له مع البصمات حكايات كثيرة، ظهرت فى أعماله التى تركها خلفه، لكن البصمة التى رسخت في الأذهان هى تلك التى رسمها فى علاقته بمؤسسته التى كان أحد من شارك فى تكوينها ،
 فلمن لا يعرف قصة الرجل فإنه مؤسس شركة "آبل" مع صديق له، وذلك بعد أن ترك جوبز الجامعة، حيث لم يكمل دراسته ، المهم بعد أن أسس الرجل الشركة وحققت نجاحات كبيرة نتيجة ما تقوم على إنتاجه في مجال الكمبيوتر وأبرزها القفزة الكبرى عام 1984م،
حين قدم جوبز نظام "ماكنتوش" الذى كان أول نظام تشغيل ناجح بواجهة رسومية وفأرة، لكن ما لبث أن دب خلاف داخلى؛ وعلى أثره طرد جوبز من الشركة التى كان أحد مؤسسيها، مؤلم أن تجد نفسك خارج دائرة العمل فى مؤسسة شاركت فى تأسيسها وأفرغت فيها كل خبراتك وإمكاناتك،
هكذا كان حال جوبز لكنه لم يتوقف، وبدأ فى تأسيس شركة أخرى هى "نكست" ليكمل المسيرة، ويبدأ بعدها فى تحقيق نجاحات كبيرة وضخمة؛ حيث استطاع وضع نظام برمجيات Object Oriented الذى كان الأساس لنظام تشغيل "ماك" الحديث، وفى عام 1996م، عاد جوبز إلى الأم التى بناها بيده بعد أن اشترت شركة "آبل" شركة "نكست"، وهكذا عاد الرجل لذلك المكان الذى صنعه وألفه وعمل من أجله ليكمل مسيرة النجاح ويترك خلفه بصمات ستظل أجيال تتحدث عنها،
اجعل لحياتك معنى، واحرص على آخرتك لتتزود من تلك الحياة ، يقول الأديب والفيلسوف العربى مصطفى صادق الرافعى فى كلمات قوية الدلالة والمعنى: "إذا لم تزد على الحياة شيئاً تكن أنت زائداً عليها" أو كما قلت لكم سالفاً "أن استيقظت يوماً ولم تفعل أو تتعلم شيئاً فيا ليتك ما استيقظت" .
إن حياتنا قصيرة السبيل ولكن هناك من تركوا خلفهم ما يطيل تلك الأعمار ويفتح لهم نوافذ العطاء الذى لا ينقطع، وذلك بتركهم بصمات لأنهم عملوا بإخلاص وروح عالية لكي يكونوا تلك الإضافة لا عالة على تلك الحياة.
قال ديل كارينجي: "لا تجعل قانونك: أنا أعمل لأعيش.. بل اجعل قانونك: أنا أعمل لأحقق ذاتى"، نعم حقق ذاتك فأنت تستطيع أن تفعل وتفعل لتصل إلى هدفك وكما قلنا سالفاً السير بلا هدف يعنى الوصول إلى اللا شيء، سر لتحقيق نفسك وهدفك بكل قوة وإرادة.
في كل محطة من حياتك أترك بصمة مضيئة ، ساعد طفل أو طفلة فى حياة كريمة ، ساعد أم أو أب فى بناء حياة أولاده ، ساعد المحيطين بك في تُعلم المزيد مما تعلمت لا تبخل بالمعرفة فلا تتركها وتمضى بها إلى العالم الآخر ،
تحدث بقول قاطع فى أمور حياة من حولك وأضف له المزيد مما لا يعرف ، أبدأ فى بناء فكرة جديدة وتبناها وأشرك بها الآخرون حتى يعتنوا بها من بعدك ، بادر بتطوير عملك وأدائك الشخصى وأترك بصمة لمن حولك ، أدفع الآخرين للإنتاج والمعرفة الجديدة التي ترتقى بأدائهم الشخصى ، أجمع أبنائك وتحدث معهم عن المستقبل وكيفية بناء فكرة وهدف وتحقيق الحلم ، أجعل دائماً بينك وبين من حولك حوار بنّاء فى شىء إيجابى ولا تضيع من وقتك فى اللا شىء .
تفاعلك مع الآخرين ومتابعتهم شىء فعال يبنى روابط ذهنية بينك وبينهم ويجعلهم بالفعل ينتجون أو تثمر فكرتهم بشىء حتى لا تصبح الفكرة مؤقتة ولا ترتقى إلى إطار التنفيذ، بل أنه بتفاعلك معهم يبدأ البناء ووضع الأساس الذى يقفون عليه فيصبح حقيقة. أكتب مقالات حماسية للآخرين وأبدأ فى نشرها حتى بينك وبين أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي،
أزرع فسائل صغيرة حتى تنمو وتنضج سريعاً حولك فتصبح ثمرات يأكل منها الجميع، كل ما عليك أن تبدأ والبداية ليست صعبة، بل ربما تكون البداية تعنى حياة جديدة لمن حولك، أكفل أسرة فقيرة أنت تراها بعينك فى حاجة حقيقية للعون، تبنى أبنائها تعليمياً وأشرف عليهم وأمنحهم فرصة حقيقية لتحقيق آمالهم في الحياة.
أجعل من نفسك شمعة تضىء للآخرين، وأصنع الخير لأنه هو الشىء الفريد الذي لا يموت حين تغيب أنت عن الحياة، أترك بصمة صغيرة تلقى بها أجرا كبير عند الله، أفعل كل ما هو جميل فهو مردود إليك، أعلم أنك أنت من ينسج أفكاره فأنتبه جيداً إلى ما تنسج، أنسج خيراً وأتركه ينمو ويزدهر وتذكر دائماً أنك تحصد بيدك ما زرعته فأزرع دائماً خيراً.
لسنا فى الحياة الفاضلة حتى يكون الجميع كما نريد ولكن أبدأ بنفسك ولا تهتم بتفاهات قد تبعدك عن البداية، لأن الله لا يغيرُ ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأعلم أن الحياة تسير بك أو بدونك فاكسبها وضع لك بصمة فيها، وأترك أثر يعبر عن مرورك بالحياة، فإذا كان هناك أي خير تستطيع فعله أفعله لأنك قد لا تمر مرة أخرى من هذا الطريق أبداً، فأغتنم الفرصة وحقق سعادة شخصية لم تكن تنعم بها من قبل.

وأخيراً تأمل معي هذه الآية الكريمة : قال تعالى
(إنا نحن نحيى الموتى ونكتب ما قدموا واثارهم . وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين ) ويقول المفسرون فى ذلك أى نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال من الخير والشر  التى باشروها طيلة حياتهم وكذلك أثار الخير والشر ، التى كانوا هم السبب فيها فى حياتهم وبعد مماتهم وكذلك الأعمال التى نشأت من أقوالهم وأفعالهم .

فكل خير عمل به أحد من الناس ، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه ، أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر ، أو علم أودعه عند المتعلمين ، أو في كتب ينتفع بها في حياته أو بعد موته ، أو عمل خيراً ، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان فاقتدى به غيره ، أو عمل مسجداً ، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس ، وما أشبه ذلك ، فإنها من آثاره التي تكتب له ،

 وكذلك عمل الشر ولهذا ( من سن سنه حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنه سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) ، وكل شىء من الأعمال والنيات وغيرها ، (أحصيناه فى إمام مبين) أى كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب التى تكون بأيدى الملائكة وهو اللوح المحفوظ .

يقول الشاعر: كن رجلاً إن أتوا بعده ... يقولون مر وهذا الأثر، فلا يشترط أن يعرفك الناس، وما ضرك أن الناس لا تعرفك، تذكر مقولة سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه حينما انتهى من إحدى المعارك وأخذ يسأل أحد قادة جيشه (من مات فى هذه المعركة؟) فقال له القائد (مات فلان وفلان وفلان ومجموعة كبيرة من الناس لا نعرفهم ) فكان رد عمر الفاروق رضى الله عنه ( لكن الله يعرفهم !! ) ،
 ماضّرهم أن الناس لا يعرفونهم ، لكن يكفيهم أن الله يعرفهم  ( إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) .  


الكلمات الدلالية :
تنمية الذات     التغيير       التنمية البشرية       قصص نجاح      استيف جوبر     ديل كارينجى     ماكنتوش  صدقات جارية


اكتب تعليق

اكتب تعليق

أحدث أقدم