الأكاديمية المصرية للتربية الخاصة
الحلقة رقم (10) العلاج السحرى للتوحد ؟! للأستاذ الدكتور : إيهاب رجائى

سلسلة تحطيم أصنام التوحد

الحلقة رقم (10) العلاج السحرى للتوحد ؟!

بقلم / الأستاذ الدكتور : إيهاب رجائى

أستاذ الوراثة الإكلينيكية
استشارى المخ والأعصاب للأطفال
وذوى الاحتياجات الخاصة بالمركز القومى للبحوث

اليوم سوف نتحدث عن موضوع مهم جداً ويشغل بال نسبة كبيرة جداً من أولياء الأمور ، وهو العلاج السحرى للتوحد ! حيث أن الكل مترقب فى 2020 الدواء السحرى ، الذى سوف يأتى من الخارج وتعتقد الناس أنه سوف يحل كل المشكلات .

 وسوف أقدم لكم مفاجأة مختلفة تماماً عن تفكير حضراتكم وهى أنه ليس هناك علاج سحرى للتوحد ! العلاج السحرى الحقيقى للتوحد يتمثل فى ثلاث محاور مهمة جداً هى ( الرضا – التقبل – الحب والإحتواء) .

إذا تقبلنا أن طفلنا مختلف وليس متخلفا وله لغة خاصة به وله سلوكيات يجب أن نتعامل معها ونتفهم دوافع هذه السلوكيات ، وأوكد أنه إلى يومنا هذا لا يوجد دواء للتوحد ؛ لأنه ليس نزلة برد أو انفلونزا أو نزلة شعبية ، إلى يومنا هذا لا يوجد دواء سحرى يجعل الطفل غير المتكلم يتكلم ! وكلمتى دوماً " الكلام علاجه الكلام " .

وهناك الكثير من الأخطاء التى نتركبها دون أن ندرى وأهمها على الإطلاق فتح الأجهزة الإلكترونية قبل أوانها للأطفال ، وسوف يختلف معى الكثيرون قائلين : هل الشاشات الإلكترونية تسبب التوحد ؟!

وهنا أوكد أن من ضمن بنود التوحد أن الطفل يعيش فى عزلة ، وعدم القدرة على استخدام اللغة التعبيرية مثل بابا ، ماما ، بحبكم ، أنا زعلان ، أنا عايز أخرج الخ ...

إذاً من البداية لقد تعود هذا الطفل أن يصمت طويلاً محملقاً فى الشاشة الإلكترونية ، ومن واقع اعترافات العديد من أولياء الأمور أنهم قاموا بفتح التلفزيون لقنوات معينة تبث أغانى وأناشيد وإيقاعات موسيقية ، أو عندما كان يبكى الطفل يتم اعطاؤه المحمول للتسلية ، وبالتالى يحدث إرتباط بين الهدوء النفسى للطفل وبين استخدام الأجهزة الإلكترونية ، ثم تبدأ مرحلة من بداية الشغف والتعلق إلى درجة التشبث الوسواسى الهيستيرى ؛ بحيث يصرخ الطفل صرخات شديدة جداً ولا يهدأ إلى بعد الحصول على الأداة الإلكترونية .

ولقد أجمعت معظم الأمهات على ترك أطفالهن - ومنهم أطفال رضع - بالساعات الطويلة ؛ ومن هنا تبدأ مرحلة الصمت الكبير ، الأمر الثانى المهم ومعظمنا غافل عنه وهو الإنتباه الإنتقائى ، حيث أن المخ يقوم بعمل معالجة مركزية لأصوات النغمات كالإيقعات التى يتعرض لها الطفل ، بعدها يصبح الطفل غير قادر على سماع أصوات غيرها وعند النداء عليه لا يستجيب لدرجة أن البعض يقوم بعمل مقياس سمع للطفل ظناً منه أنه لا يسمع !

فى هذه الحالة ليست المشكلة فى السمع بل المشكلة فى أن الانتباه السمعى للطفل موجه فقط نحو النغمة والإيقاع ، ولقد أثبتت الأبحاث العلمية المتطورة أن المعالجة المركزية للمؤثر السمعى تتجه أكثر نحو الموسيقى والإيقاع أكثر من الصوت البشرى .

ولذا نطلق صيحة تحذير ، ولقد أوصت الجمعية الأمريكية لطب الأطفال بعدم تعرض الأطفال دون العامين للأجهزة الإلكترونية ! .

من الغريب أيضاً أن نجد بعض الأشخاص فى وسائل التواصل الاجتماعى يروجون لوسائل علاجية غريبة الشكل وليس لها أى علاقة على الإطلاق بموضوع التوحد ، ومنها على سبيل المثال جلسات الأكسجين تحت ضغط ، ولدى مئات بل قد تصل إلى الاف الحالات التى ذكرت أنها أعطت للطفل 40 جلسة ولم يجدوا تقدما ! وبعض الناس يقولون أنهم وجدوا تحسنا .

وسوف اوضح لحضراتكم الصورة ، هناك الكثير من الأطفال لا يكون لديهم أعراض حقيقية للتوحد، أو مؤقته أو "سمات" وأريد أن أوكد أن مصطلح "سمات" ليس تشخيصاً بل وصفاً للأعراض ، وهؤلاء الأطفال حين يتعرضون لجسات الأكسجين ويتم عمل تنشيط لخلايا المخ قد يحدث لهم تحسن ويتكلمون ، والبعض يعمم على ذلك بأن العلاج بالأكسجين علاج سحرى ومفيد لكل الحالات ! .

والجدير بالذكر أن المنظمة الدولية للغذاء والدواء أطلقت تصريحاً فى عام 2016 يفيد بأن العلاج بالأكسجين ليس له أى دورفي علاج اضطرابات الطفولة المبكرة سواء الشلل الدماغى أو اضطراب طيف التوحد ، وفى هذه الحالة وحين استخدام هذا العلاج فإننا نقوم بإهدار أمولانا وأوقاتنا دون داعى ، فى حين أنه من الأفضل استغلال هذا الوقت فى قضائه مع الطفل والحديث معه وجذب انتباهه وتنمية مهاراته .

أيضاً هناك من يروج للأدوية المساعدة على الكلام وأن الدواء الفلانى الوارد من الخارج بآلاف الجنيهات يساعد على الكلام ، وأريد أن أنوه أنه يوجد فى مجال الطب ما يسمى العلاج بالإيحاء ، فعندما نقوم بتجريب دواء جديد نختار مجموعتين ونعطى مجموعة منهم  دواء كاذب مثلاً نقوم بإعطائهم سائل سكرى أو أقراص نشا ونوهمه بأن هذا هو الدواء الحقيقى فيتأثر ويعتقد أنه شفى وأختفت الأعراض !، وهذا ما يحدث بالمثل فى موضوع أدوية الكلام !، أو قد يكون الطفل ليس لديه توحد وكان مع الوقت سيتحسن .

من الأمور الاخرى التى تداعب خيال الناس وهى العمليات الجراحية  لنقل الخلية الجذعية ، وفى البداية الخلايا الجذعية لا تنقل عن طريق الجراحة ولكن عن طريق حقن تحتوى الخلايا الجذعية المستمدة من الحبل السرى للجنين ، وإلى يومنا هذا لم تثبت أى فوائد لهذه الخلايا ، بل على العكس فى الدول الأجنبية يتم استخدامها فى التجارب المعملية على فئران التجارب والحيوانات ذات الرتبة الأعلى من رتبة الفئران ولم تصل بعد إلى التطبيق على الإنسان ، لكننا فى ظل أحلام الدواء السحرى نجرى ونلهث وراء أى إعلان ومنها اعلانات الخلايا الجذعية .

أتمنى أن نرضى ونتقبل طفلنا ونحاول كذلك أن نكون إيجابيين ، على سبيل المثال مثلاً السلوكيات التى قد تزعجنا كالعصبية وفرط الحركة لابد أن نتقبلها لأنها من خصائص المرحلة أو قد تزداد حدة لأن الطفل لديه استثارة ، والإستثارة تعنى أن القشرة المخية فى حالة توهج شديد جداً ، وذلك فى حالات النشاط الكهربائى الزائد أو التوتر النفسى نتيجة سوء المعاملة من الوالدين نتيجة سوء الفهم وغيرها من العوامل ، وفى هذه الحالة ليس من المنطقى أن نزيد ذلك من خلال منشطات المخ والمهدئات النفسية !

فالمنشطات قد تؤدى إلى استثارة وعصبية وفرط حركة واضطراب فى النوم وربما تسثير نشاط كهربى كامل وظهور نوبات صرعية .
وبالنسبة للمهدئات فقد تؤدى إلى تثبيط وخمول وبلادة ذهنية ، وخاصة مع زيادة الجرعات وإعطائها فى سن صغيرة أو استخدام أنواع غير مصرح بإستعمالها للأطفال ، وهذه ليست وسيلة علاجية ؛ لأننى أقوم بتحويل الطفل إلى كائن مُروض كيميائياً هامد خامل ليس لديه أى نشاط بدافع التخلص من الشقاوة !.

من الطبيعى أن يُظهر الطفل الشقاوة وخاصة فى السن الصغيرة ، ودورنا نحن كآباء وأمهات أن نحمية من الشقاوة الزائدة والأذى والخروج معه والتعرف على مكونات البيئة وأن نستثير حواسه ، وهذا هو العلاج الطبيعى والسحرى ، وكلما بدانا مبكراً كلما كانت النتائج رائعة وعظيمة ، والكثير من الاطفال تحسنوا ودخلوا فصول الدمج بالمدارس بل والبعض وصل إلى الجامعة ، هذا هو الأمل والعلاج السحرى .
وإلى لقاء اخر فى حلقة قادمة ،،،

دمتم بخير 

الكلمات الدلالية :

علاج التوحد     العلاج بالأكسجين      دواء مستورد      الخلايا الجذعية     النشاط الزائد      العصبية         فرط الحركة     سبيك سموز     الدمج   

 اقرأ باقى السلسلة من هنا :


اكتب تعليق

اكتب تعليق

أحدث أقدم