الأكاديمية المصرية للتربية الخاصة

الحلقة رقم (3) التوحد الكاذب والعلاجات الخاطئة ! للأستاذ الدكتور إيهاب رجائى
سلسلة تحطيم أصنام التوحد

الحلقة رقم (3) التوحد الكاذب والعلاجات الخاطئة !

بقلم / الأستاذ الدكتور : إيهاب رجائى
أستاذ الوراثة الإكلينيكية
استشارى المخ والأعصاب للأطفال
وذوى الاحتياجات الخاصة بالمركز القومى للبحوث

موعدنا اليوم مع أكثر من موضوع مشتعب ، وأنا فى الغالب أتحدث مع حضراتكم فى ضوء الواقع ومن خلال ما يصلنى من رسائل يومية .

جاءتنى رسالة صباح اليوم لأم لديها طفله ثلاث سنوات وتأتى لها نوبات الشرود والسرحان وللأسف تم تشخيصها خطأ على أنها "توحد" . إن موضوع التشخيص الخاطىء للتوحد أصبح منتشر جداً وضحاياه كثيرة جداً من الأطفال الأبرياء ولذا أفكر فى إعداد حلقة عنه .

هذه البنت تم كتب لها اثنين من المهدئات هم " ريسبردول " و اريربرزول " من غير ذكر الأسماء التجارية ، وفى نفس الوقت كتب لها منشط للمخ ، شىء عجيب جداً لإخواننا الزملاء الذين يكتبون مهدء ومنشط فى نفس الوقت ! وبعضهم يقول للأمهات هذا يعمل فى ناحية والثانى يعمل فى ناحية اخرى !

هذا الكلام بالطبع غير صحيح للأسف الشديد ، المشكلة أن الزملاء الاخرين اقترحوا إضافة " الديباكين" وهذا يعنى طامة كبرى .

فأنا أكرر ما قلت سابقاً وهو عندما تذهبوا للزملاء الاطباء ويكتبون مثل هذه الأصناف تناقشوا معهم ، " ليه يافندم سيادتك كاتب ده وعشان إيه وخطورته إيه وأضراره إيه " لابد أن يكون هناك نقاش لأننى أرى للأسف أن الوضع يومياً يزداد سوء ، وكل يوم مهازل مهنية فى حق الأطفال الأبرياء ولا يعقل أن يكون هؤلاء الأطفال الأبرياء حق تجارب .
 بل بالعكس أريد أن أقول لحضراتكم أنه يوجد أدوية مثل "الديباكين " وغيره يمكن أن تحول الطفل من الحالة العادية إلى طفل لديه توحد ! وهذا وضع فى غاية السوء ، طفله ثلاث سنوات يكتب لها اثنين مهدء واثنين منشط واخر يريد أن يضيف لها ديباكين ؟! فهذه كارثة وأنا بذلك أكون قد دمرت هذه الطفلة وضيعتها ، فهذه الام مثلاً استطاعت أن تستغيث ، البعض الاخر من الأمهات يقولون أنهن ذهبن لطبيب وأستاذ فى المجال ويكتب الدواء .

لا أعرف ماذا أفعل ولكن دورى أن أدق نواقيس الخطر وأحذر وأحذر وأحذر من هذه العقاقير لأطفال فى سن صغيرة ، ولا أريد دعوة الناس لعيادتى الخاصة ، فأنا لا أقوم بعمل دعاية شخصية ، أنا حملت أمانة أن أبلغ حضراتكم الأضرار وأنتم تتصرفون فى ضوء هذه التحذيرات ، وكل فرد يقرأ ويراجع خطورة ما يكتب لأبنائه ويمكن أن نستشير أكثر من رأى وأكثر من متخصص .

واستكمالاً لمشكلة هذه الأم ، فقد قامت بعمل رسم المخ مرتين وهذا يأخذنا إلى قضية رسومات المخ  التى معها كهرباء ولا يوجد تشنجات والتشنجات التى معها رسومات مخ ، وهذه تحدث نوعاً من البلبلة ، من الممكن أن يتشنج الطفل لكن - بقدر الله - عندما يقوم بعمل رسم المخ لا يظهر ، وهذا ليس معناه أنه ليس لديه نشاط كهربى صرعى بل لديه ؛ لأن الفيدوهات التى ترسل للحالة أو الوصف من شهود العيان الذين يرون الواقعة بانفسهم تدل على أنها نوبة صرع صريحة .
 فمهما كان رسم المخ سليم فهناك خلل فى النشاط الكهربى وخلل صرعى طالما يحدث نوبة صرعية وفى هذه الحالة لابد من العلاج ، وفى قانون العلاج لابد أن يكون لمدة سنتين كاملتين من أخر نوبة .

ونجد بعض الزملاء يتعجلون فيقولون بعد سنة أو سنة وعدة أشهر  نقوم بعمل رسم مخ  وعندما لا يكون فيه شىء ،على الفور يصدر قرار بوقف الدواء ، وهذا فى غاية الخطورة وسوف يؤدى إلى إنتكاسة .

فلا بد من مضى سنتين كاملتين من اخر نوبة بالوقائع والأحداث وليس برسم المخ ، وأحياناً نقوم بعمل ما يسمى بـ " الإجهاد التأكسدى" حتى نطمئن أنه لا يوجد التهاب فى الخلايا العصبية .

نعود إلى العكس لا يوجد فيها تشنجات ولكن هناك خلل واضح فى أماكن مهمة جداً من مناطق المخ على سبيل المثال الفصين اليمين والأيسر الأمامى أو الجبهى ، الفص الأيمن أو الايسر الجدارى ،و الصدغى  . فهذه المناطق عندما يكون فيها نشاط كهربى غير طبيعى ويرتبط بسلوكيات أو بعوارض غير طبيعية فسوف نقول أشياء كثيرة جداً وليس بالضرورة نوبة تشنج صريحة مثل : أعراض توحد ، عدم كلام ، فرط حركة غير طبيعى ، عصبية زائدة ، اضطراب فى إيقاع النوم ، تبول لا إرادى ، جز على الأسنان ، ضعف شديد فى المذاكرة ونسيان كل ما يتعلمه سواء ما قبل المدرسة أو فى المدرسة فيحدث تدهور دراسى  وتعسر دراسى شديد غير واضح الأسباب .

والجز على الأسنان ليس المقصود به جز الطفل على أسنانه أثناء اللعب أو فترات اليقظة أو أثناء السرحان مع نفسه ، فالكثير من الأطفال لديهم هذه اللازمة ونسميها لازمة عصبية ومن أحد عيوبها أن تحدث برى فى الأسنان ، وعندما تزيد عن الطبيعى يجب أن نلجأ إلى استشارة طبيب أسنان أطفال ، لكن المقصود بالجز على الأسنان هو الجز على الأسنان أثناء النوم العميق ، لأنه من المفروض وأنا نائم تكون عضلاتى كلها فى حالة إنبساط وارتخاء وبما أن عضلات الفكين تعمل فهذا يعنى أن هناك مثير يقوم بشحن هذه العضلات ؛ فتتوتر وتؤدى إلى الجز  اللاإرادى أثناء النوم العميق وهذا ما نقصده بشكل دقيق ؛حتى لا يخاف البعض والذى قد يتكرر بإستمرار على مدار الليلة وخلال الإسبوع والشهر وقد يسمعه أيضاً أكثر من فرد من أفراد العائلة .
وهذه كلها أعراض لخلل كهربى إذاً فأن المقولة التى تقول " نحن لا نعالج رسم مخ " عليها جدل وبعض الزملاء يتبناها ، ولكنى أريد القول أننى أؤمن تماماً أنه طالما يوجد مظاهر أكلينيكية حتى فى حال إن كان رسم المخ سليم ، تستدعى أن نقوم بإعطاء الدواء ، وفى هذه الأمور نقوم بإعطاء الدواء على الأقل لمدة سنة وليس سنتين طالما لا يوجد نوبات صرعية صريحة ، مع ملاحظة الأعراض التى ذكرناها هل تتحسن وتستجيب للعلاج أم لا ؟ كما نقوم بعمل دلائل بيوكيميائية مثل ما يسمى " دلائل الإجهاد التأكسدى " والنسبة الطبيعية من صفر إلى مائة .
 وعندما تتعدى ذلك بنسب عالية نعتبر أن هناك مؤشرات لإلتهاب الخلايا العصبية الذى يؤدى إلى الشحن الكهربى سواء ظهر فى صورة تشنجات أو أعراض اخرى من التى تم ذكرها .

أخر نقطة مقيدات الحركة والمهدئات والمنشطات ، كثيراً ما تأتينى أسئلة تقول هل أدوية فرط الحركة من المهدئات ؟، والرد لا ، فأدوية فرط الحركة ليست مهدئات وهى تعمل على ضبط الإشارات العصبية من قشرة المخ إلى ما تحتها وهى المهام التنفيذية ، وهى : كيف أسيطر على سلوكى ، كيف أسيطر على الحركة الكثيرة فيحتاج الطفل فى هذه الحالة لو الموضع أثر على الأداء الأكاديمى أو السلوك لدرجة أنه يحتاج إلى شىء لتهدئة فرط الحركة . 
وهناك الكثير من العقاقير أشهرهم بالطبع "أتوموكستين" ولن أقول الأسم التجارى تجنباً للدعاية وهو ليس من المهدئات والنوع الاخر هو " لوفيكسدين " وهو ايضا ليس من المهدئات .

ولا نخاف من أدوية فرط الحركة ولكن هناك ضوابط ، متى أستخدمه ، وكيف أستخدمه والجرعة والمدة ، ومن الخطير أيضا أن أجد من يكتب الأتوموكستين لأطفال فى عمر أربع سنوات أو أقل وهذا أخطر ما يكون ؛ وذلك لأن له أعراض جانبية مؤلمة جداً من ضمنها : تهيج المعدة والام البطن وفقدان الشهية وفقدان الوزن واضطراب النوم والعصبية الشديدة ، فلا يمكن على الإطلاق أن أعطيه لطفل دون الخامسة فنحن نتجاوز فى سن خمس وست سنوات ، وهو فى الأصل لست سنوات وبعض الدول العربية تصرفه فقط لسبع سنوات .

فمن غير المسموح التوصية بهذا الدواء تحديداً قبل سن الخمس سنوات وأن كان له بديل للسن الصغير ، ولكننى لا أروج لأدوية بعينها ، أنا فقط أشرح وأضع مفاهيم وأضع خطوط تحذير حمراء ؛ نظراً نظراً للكم الكبير من الرسائل التى تحتوى على ضحايا للأطفال غير الطبيعى ،وأنا لا أستطيع التصرف سوى أننى أوجه وأنذر وأدق نواقيص الإنذار للانتباه .
 وأنه ليس كل ما يقال يصدق ، فاستخر ربك أولاً ثم استشر  أكثر من متخصص من الأطباء فى مجال مخ وأعصاب الأطفال ونسأل ونتناقش مع الطبيب بمنتهى الأدب والحوار  المتمدن .

 وفى نفس الوقت أحذر من موضوع قراءة النشرات ؛ نظراً لأنها تجعل لديك نوع من الوسواس الزائد عن الحد وتزيد الأمور تعقيداً وأكثر مما تتحمل ، لكن إذا كنت تتمتع بعلاقة أخوة وصداقة مع الطبيب المعالج ، فلا تقل له النشرة تقول كذا ، بل استبدل ذلك بسؤاله عن الأعراض الجانبية ومتى نقلق وكيف نتصرف وما هى البدائل فى حال أن ظهرت أعراض جانبية بسبب الدواء . 

ولا تعتمد على قراءة النشرات فقط وذلك لأنه فى الحقيقة أن شركات الأدوية ملزمة بقانون معين يلزمها بكتابة أى احتمال ، فعندما يكون هناك دواء به نسبة 10% مثلاً أعراض جانبية لبعض من يتناوله ، فلا يعنى بالضرورة أن أحرم 90% من باقى مميزاته .

ومتى لا أعطيه ؟ إذا تغلبت أعراضه الجانيه فى كفة الميزان وأصبحت هي الثقيلة وترجح أن الأعراض الجانبية أكثر من الفوائد الإيجابية ، وأكبر مثال على ذلك ما طرحته من استخدام المهدئات فى سن صغيرة ، أتمنى من الله عز وجل أن يكون كلامى واضح وليس به أى لبث .

ومنتظر رسائلكم وتجاربكم وخبراتكم وما يواجهكم من قلق وسوف أرد عليكم
أهلا بكم وإلى لقاء أخر قريب بإذن الله ،،،

الكلمات الدلالية :

علاج التوحد     ايهاب رجائى     تشخيص     ريسبردول    أريربزول    الديباكين     رسم المخ    التشنجات     الصرع    فرط الحركة      تشتت الانتباه     اتوموكستين     لو فيكسدين    أدوية



اقرأ باقى السلسلة من هنا  : 
الحلقة رقم (2) أدوية الكلام !

اكتب تعليق

اكتب تعليق

أحدث أقدم