الأكاديمية المصرية للتربية الخاصة

علاج التوحد بالتغذية الراجعة العصبية

علاج التوحد بالتغذية الراجعة العصبية

بقلم د/ دينا الأسكندرانى
إستشاري نفسي أكلينيكي 
دكتوراه في علم النفس العصبي جامعة عين شمس

يمتلئ المخ بملايين العصيبات، أو الخلايا التي تشبه البطاريات الصغيرة، ويلاحظ أنه عند عدم شحنها بالكهرباء لا تعمل أبداً. ويمكن للخلايا الحسية بالرأس أن تلتقط هذا النشاط الكهربي، وتنتج الأنماط الكهربية بواسطة عصيبات تسمى موجات المخ.
ويترجم الكمبيوتر السريع الخاص بالتغذية الراجعة العصبية هذه المعلومات إلى مهمات تعرض على شاشة الكمبيوتر، وهذا يشبه إلى حد كبير جهاز رسم المخ EEG
 ولكن في جهاز التغذية الراجعة لا يقتصر العمل على مشاهدة موجات المخ فقط، ولكنه يترجمها إلى معلومات يمكن أن يتعلم منها المفحوص، فهو ينظر إلى عرض الفيديو ويسمع مردودا أيضاً، وتنبهه هذه التغذية الرجعية لما يفعله مخه
 ومن ثم يمكنه استخدام هذه المعلومات لتغيير نشاط مخه عند الضرورة. إن التحكم بعرض الكمبيوتر يعلم المفحوص كيفية إنتاج الموجات المخية المرتبطة بالانتباه والتركيز، وبعد تدريب كافٍ يمكن للمفحوص إجراء ذلك لنفسه بدون الحاجة إلى التغذية الراجعة للكمبيوتر.
 وسنتناول خلال السطور القادمة الشذوذ المخي لأطفال التوحد، وكيف يعمل جهاز النيورو فيدباك على تحسينه.
يلاحظ أن الأطفال التوحديون يظهرون فروقاً نفس عصبية متنوعة في الأداء الوظيفي للمخ، وتقترح الدراسات الحديثة أن أطفال التوحد لا توجد لديهم عصيبات مرآتية mirror neurons مقارنة بأقرانهم
 وهناك تفاؤل كبير بأن النموذج المعدل من التغذية الراجعة الحيوية؛ والمعروف باسم التغذية الراجعة العصبية Neuro-feedback (NF) يمكن أن يساعد بعض أطفال التوحد على تعلم تنظيم موجات المخ الخاصة  بهم بدون استخدام أي عقاقير.

ويبدو واضحاً وفقاً لنظرية الاتصال العصبي أنه باستخدام التغذية الراجعة العصبية المسترشدة برسم المخ الكمي QEEG في علاج اضطراب معقد ومتغاير المنشأ مثل التوحد تصبح قياسات رسم المخ أساسية لتصميم خطة علاجية خاصة بكل فرد
فباستخدام تقرير الـQEEG لتحديد أنماط الشذوذ الداخلي للفرد ومن ثم استخدامها للاسترشاد بها في التدريب اللاحق يصبح من الممكن تطوير خطة محكمة تبحث عن التطبيع وتوخي الأمثل لرسم المخ الخاص بالفرد.
 وتقوم التغذية الراجعة العصبية المسترشدة بالـQEEG بإعادة السواء لمناطق المخ غير المنتظمة والتي ترتبط بحالة إكلينيكية محددة، وهذا يعني في حالة التوحد أن المنحى يكن محدداً وفقاً لكل نمط فرعي من الـQEEG لكل فرد.
 وتهدف التغذية الراجعة العصبية مع التوحد إلى تصحيح مدى الشذوذات وموازنة الأداء الوظيفي للمخ، كما تهدف التغذية الراجعة العصبية المتناغمة إلى تحسين الاتصال والتكيفية بين مناطق المخ.
ولهذا المنحى تطبيقات لا يمكن إغفالها؛ فعلى سبيل المثال يؤثر تصحيح شذوذ الفص الصدغي الأيسر على أعراض التخاطب والتواصل، بينما يؤثر العمل مع الشذوذ الموجود بالمناطق الصدغية أو الجدارية اليمنى على الأداء الوظيفي الانفعالي والاجتماعي
 أما تصحيح الشذوذات الجبهية فيؤثر على الانتباه، في حين يؤثر التغلب على الشذوذ في المنطقة الوسطى على الاندفاعية والانتباه، أما تصحيح شذوذ المناطق الخلفية فيؤثر على الأداء الوظيفي الحسي.
ولهذه التطبيقات نتائج رائعة للتوحديين تتضمن تحسن جوهري في التخاطب والتواصل، مع وجود سلوك أهدأ وأقل عدوانية، وارتفاع الانتباه وتحسن التواصل البصري والمهارات الاجتماعية
 ولقد كان العديد من المرضى قادرين على تقليل أو استبعاد العقاقير بعد تطبيق التغذية الراجعة العصبية المسترشدة برسم المخ الكمي QEEG.

وتدار جلسة التغذية الراجعة العصبية على النحو التالي:
§       يوضع جل على الرأس وكذلك على المنطقة الخلفية للأذن.
§       تثبت المجسات على الأماكن المحددة وفقاً للخريطة المخية للطفل.
§       يتم إلتقاط الموجات الكهربية المراد تعديلها (سواء بتنشيطها أو بتثبيطها) على شاشة الحاسب الآلي أمام الطبيب، وفي أثناء ذلك يكون الطفل جالساً أمام شاشة أخرى وبجواره الاختصاصي النفسي يحثه على الجلوس، والنظر، وإمعان التركيز في اللعبة التي تعرض أمامه.
§       تستمر اللعبة في الحركة والصوت طالما يركز معها الطفل، وتتوقف بمجرد عدم النظر والتركيز فيها.
§        يتم تغيير الألعاب كل فترة مع حساب تردد الموجات في كل مرة وتستمر الجلسة لمدة 30 دقيقة، ويقوم الجهاز في آخر الجلسة بعمل مخطط إحصائي يعرض ملخصاً لترددات الموجات المستهدفة.
§       في بعض الأحيان تستهدف الجلسة استرخاء عضلات الوجه أو تقليل معدل التنفس وبذلك تتوقف اللعبة عند توتر عضلات الطفل أو ارتفاع معدل تنفسه.
§       تكرر الجلسات بمعدل جلستين أسبوعياً، ويقوم المعالج بعمل خريطة مخية بعد 20 جلسة ويقارنها بالخريطة المخية الأولى للطفل لتحديد التقدم الذي أحرزه الطفل، والموجات الأخرى المستهدفة في الجلسات التالية.
ويمكن تفسير نتائج هذه الفنية العلاجية الفعالة في ضوء نظريات التعلم؛ فوفقاً للإشراط الإجرائي لسكنر يتشكل السلوك المرغوب فيه باستخدام نظام التدعيم والمكافآت وبالعكس يستبعد السلوك غير المرغوب فيه عن طريق عدم إعطاء مكافآت أو المكافأة السلبية
 ولقد قامت التغذية الراجعة العصبية بهذا الأشراط الإجرائي لمخ الأطفال التوحديين، فمن خلال المكافآت السمعية والبصرية التي تعطى كرد فعل لكهربية المخ المرغوبة يزداد تكرار حدوث هذه الموجات المرغوبة إلى أن يقوم المخ بتعميمها وتثبيتها دون استخدام التغذية الراجعة العصبية
 وهذا بدوره مايؤدي لخفض السمات الذاتوية وتحسين القدرات العقلية للطفل. كما يمكن تفسير النتائج في ضوء انتقال أثر التدريب الموجب، حيث يعمم الأطفال تدريبات التغذية الراجعة العصبية الخاصة بالهدوء والجلوس على المقعد لفترات أطول، واسترخاء العضلات، والانتباه، والتتابع البصري خارج الجلسات في بيئتهم الطبيعية، وهو ما يتفق مع نتائج الدراسات التي أجريت على مدى فاعلية التغذية الراجعة العصبية في خفض أعراض التوحد.

الكلمات الدلالية :

التوحد   علاج التوحد    التغذية الراجعة العصبية    الذاتوية   رسم المخ   الفنيات العلاجية    الانتباه   التتابع البصرى    Neuro-feedback    النيوروفيدباك





اكتب تعليق

اكتب تعليق

أحدث أقدم