ذوي الصعوبات التعلمية في زمن التعليم والتعلم عن بعد

 

ذوي الصعوبات التعلمية في زمن التعليم والتعلم عن بعد
ريما يونس رئيس الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي


بقلم: ريما يونس

رئيسة الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي

إن التربية في كل بلد، هي الوجه المشرق الذي نبني عليه مستقبل ابنائنا وتطلعاتهم، فكيف اذا كنا نتكلم عن ذوي الصعوبات التعلمية.

التحدي في التعليم ليس أن نعمل فقط على دمج هذه الفئة ضمن الصفوف الدراسية، بل أن نجعلهم مواطنين صالحين، فعالين في المجتمع يتمتعون بكافة الحقوق والواجبات.

إن المتعلم  بقيمته هو صاحب حق، وحق ذوي الصعوبات التعلمية علينا ليس منة من أحد، بل هو واجب شرعي، وقانوني وإنساني.

ومثال على ذلك التشريعات التي أصدرتها الولايات المتحدة الأميركية في الخمسينيات من القرن الماضي، ومنها أنّ حقّ التّعليم مكفول وهو حقّ للجميع وأنّ المساواة والعدالة أمر توجبه كلّ القوانين.

فتطبيق القوانين والتشريعات الخاصّة بذوي الصعوبات التعلمية يساهم في تغيير النظرة لهؤلاء الفئة من المجتمع.

لما لذلك من أهميّة في حفظ حقوقهم ووقف التّمييز ضدّهم، ونقلهم من العزل إلى دمجهم بشكل كامل مع أقرانهم في نفس النّظام التّعليميّ والاجتماعيّ.

وفي ظل الظروف الراهنة التي فرضتها جائحة كورونا، نجد أن المتعلمين ذوي الصعوبات التعلمية وذويهم، يعيشون حالة من القلق والخوف كسائر أعضاء المجتمع الذي ينتابه ارتباك وتخبط.

وهذه الأجواء لا تصب في مصلحة أي شخص، فكيف إذا كانت هذه الحالة تجتاح كيان المتعلم ذوي الصعوبات التعلمية الذي من حقه علينا أن نؤمن لهم أجواء مريحة ومطمئنة.

من ناحية أخرى، تساؤلات تربوية طرحت وتطرح في زمن التباعد الاجتماعي: هل ستبقى أنظمتنا التربوية على ما هي عليه؟

هل ستختلف عما كانت عليه؟ هل ستجاري التقدم التكنولوجي؟ وما الجدوى من أنظمتنا التربوية إذا لم تأخذ بعين الاعتبار فئة ذوي الصعوبات التعلمية؟

 لا يخفى على أحد أن جائحة كورونا، أثبتت حاجتنا لاعادة صياغة مناهجنا الدراسية وبالتالي إعادة تأهيل أنفسنا كمجتمع تربوي.

فمجتمع لا يأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية أو الحاجات التربوية لشريحة من المتعلمين، مجتمع يحتاج الى اعادة تفكر حول الغاية الأساسية التي وجد من أجلها التعليم.

فالمتعلم ذوي الصعوبات التعلمية لم يعد هذا الكائن الغريب الدخيل في الصف الواقعي والذي أبعد قصرا في زمن التباعد.

فأي تمييز يعيق تقدمه التعليمي أو التربوي يجعله يصبح أقل ميلا للإنجاز الأكاديمي، وأكثر توجها للانسحاب من مواقف التنافس التحصيلي والتفاعل مع الأقران.

وينمو لديه شعور بالدونية أو بالعجز، ويؤثر ذلك على توافقه الشخصي.

ومن يتابع عن قرب بعض التفاصيل اليومية لزمن التعليم والتعلم عن بعد، يجد أن معاناة نفسية وجسدية أثقلت كاهل المتعلمين ذوي الصعوبات التعلمية وذويهم في زمن التباعد كما كان الحال قبل ذلك.

أيضًا، بعض المعلمين اعتبروا أن التعلم عن بعد حق من حقوق النخبة من المتعلمين فقط  بالرغم من حق كل فرد الانتفاع بالخدمات التربوية التي تساعده على النمو والوصول إلى أقصى مدى تؤهله له إمكانياته.

ويشمل هذا الحق تلك الفئة من المتعلمين ذوي الصعوبات التعلمية بهدف تدريبهم على أن يكونوا مواطنين صالحين عبر اعتماد طرق تعليمية - تعلمية حديثة، متنوعة وفردية تناسب وضعهم التربوي.

 فبناء مجتمع راق لا يمكن أن يكون إلا عبر تحقيق المساواة في التعليم، وعليه فإن تحديد المبادئ التربوية والأطر والنظم الاجتماعية وتحقيق التنمية الشاملة للمتعلمين عقليًا وبدنيًا ووجدانيًا.

ورعايتهم اجتماعيًا وصحيًا وتنمية مهاراتهم الاستقلاليّة، أهداف يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار ضمن الصفوف الدراسية في زمن التعليم والتعلم عن بعد.

خصوصًا إذا ما طالت جائحة كورونا؛ فلا شك أن المدرسة تعتبر عنصرًا مهمًا في حياة المتعلم، ولا بد أن يحتاج أي برنامج تدخل فردي الى معلمين قادرين على التصرف بايجابية وفعالية ويمتلكون القدرة على التفكير النقدي.

بهدف تدريب ذوي الصعوبات التعلمية على مواجهة مختلف المواقف الحياتية بصلابة وتفكر، وهنا تتضاعف واجبات المعلم ويزيد مجهوده عبر منصات التعليم عن بعد.

لذلك تبقى مصلحة المتعلم طريقًا مشتركًا يجمع المجتمع ككل، ويبقى الوعي حول موضوع الصعوبات التعلمية هو الوسيلة الأقوى التي تساهم في مساعدة المتعلم على تخطي صعوباته.

فبكل الأحوال صفوفنا الدراسية الحالية التي فرضتها جائحة كورونا، أرست اختلافات جديدة لم تكن بالحسبان.

التعلم عن بعد لمن يملك المقومات الاقتصادية والتكنولوجية، بالاضافة الى الاختلافات على الصعيد الشخصي و الاختلافات في المستويات الأكاديمية التي قد تؤدي الى مشكلات الإعادة والتّسرّب المدرسيّ.

فيا أيها المجتمع التربوي:

إن العمل على الشق الأكاديمي بأقل ضغط نفسي وجسدي وترتيب الأولويات التربوية واختيار الأهداف الي يمكن تقديمها عبر منصات التعليم عن بعد.

مع النظر في الأهداف الموضوعة مسبقًا، واجب على المعنيين في عالم التربية والتعليم بهدف التركيز على النوعية المعطاة وليس على الكمية.

وكل ذلك يساهم في  الدعم النفسي وتطوير مهارات المتعلمين ذوي الصعوبات التعلمية بهدف اندماجهم في مجتمعاتهم بشكل طبيعيّ.

كما أن تدريبهم على المكونات الجديدة لعملية التعلم عن بعد من الأهداف الواجب العمل عليها حاضرا ومستقبلا ومنها:

تطوير البرامج الوقائيّة وطرائق التّدريس والوسائل والأدوات التّعليميّة.

مساعدة الأنظمة التّربويّة على تطوير البيئات المدرسيّة وتعديلها بما يتناسب مع حاجات هذه الفئات.

تطوير منظومة متكاملة من البيانات والمعلومات والمناهج وما تتضمّنه من تمايز في التّعليم والتّقويم والتّغذية الرّاجعة.

تطوير اتّجاهات أفراد المجتمع وتطوير شبكات الدّعم والتّواصل لنشر ثقافة قبول الآخر المختلف ودعمه.

وأخيرا وليس أخرًا، ان التعليم المنصف لجميع المتعلمين على حد سواء هو ما نأمله من التغيرات التي ستحصل بعد زوال هذا الوباء الذي رفع الغطاء عن أوبئة تربوية تتغلغل في مجتمعنا التربوي.

ولا ننسى أن تقرير المراقبة العالميّ، أوصى بأنّ تستمرّ جميع الحكومات في التّعليم كميسّر لعمليّة التّنمية الشّاملة.

ومن هنا نطرح الإشكالية التالية: بعد زوال جائحة كورونا، هل سيكون للتلاميذ ذوي الصعوبات التعلمية نصيب ضمن الخطة التربوية المستقبلية؟

 

الكلمات الدلالية:

الصعوبات التعليمية    التعليم عن بعد   الجمعية اللبنانية للتجديد   كورونا   الأنظمة التربوية   المناهج الدراسية    إعداد المعلم           التعليم المنصف

 

google-playkhamsatmostaqltradent